
سلسلة “نصائح ذهبية للباحثين” يقدمها الدكتور التجاني بولعوالي في مقالات توجيهية ولقاءات تفاعلية، تنشر هذه السلسلة في موقع منصة الباحث، بالتعاون مع مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ببلجيكا.

أستاذ بكلية اللاهوت، جامعة أستاذ بكلية اللاهوت والدراسات الدينية، جامعة لوفان بلجيكا
وصلني قبل أيام خبرٌ عن باحث قدّم مقالة إلى إحدى المجلات التابعة لدار النشر العالمية Taylor & Francis سنة 2011. وخلال أربع سنوات كاملة تلقّى ثلاثة تقارير تحكيم، أجرى على أساسها تعديلات متتالية، قبل أن تُنشر مقالته رسميا سنة 2015. قد تبدو هذه المدة الطويلة غريبة لبعض الباحثين، لكنها في الحقيقة ليست استثناء، بل هي من صميم العمل الأكاديمي الرصين، ويعرفها جيدا كل من خاض تجربة النشر في المجلات الدولية المرموقة.
هذه الواقعة تدفعني إلى الوقوف عند بعض الجوانب المرتبطة بالنشر العلمي، ولا سيما لدى الباحثين المبتدئين الذين قد لا يدركون طبيعة المؤسسات الأكاديمية التي يتعاملون معها. فما يزال بعضهم يتعامل مع المقالة العلمية كما لو كانت طلب توظيف، فيرسل النسخة نفسها إلى عدد كبير من المجلات، أملا في أن تقبلها إحداها، دون أن يقرأ أهداف المجلة، أو يتعرف إلى مجالها، أو يراعي معاييرها وأخلاقيات النشر فيها. والفرق شاسع بين البحث عن فرصة عمل والبحث عن منبر أكاديمي مناسب لنشر دراسة علمية؛ فلكل منهما قواعده وأصوله.
ومن هنا، فإن معرفة طبيعة دور النشر الأكاديمية العالمية ليست ترفا معرفيا، بل جزء من تكوين الباحث. فدار Taylor & Francis، على سبيل المثال، تُعد من أعرق دور النشر الأكاديمية في العالم. تأسست سنة 1852، وتنشر اليوم ما يقارب ألف مجلة علمية محكمة ونحو ألفي كتاب جديد سنويا، كما تمثل الذراع الأكاديمية لمجموعةInforma ، وإلى جانبها توجد مؤسسات علمية رائدة أخرى، مثل Elsevier، وSpringer Nature، وBrill، وSAGE، وغيرها من دور النشر التي تصدر مئات المجلات المحكمة والموسوعات والمعاجم المتخصصة.

ولا ينبغي أن تُفهم الشروط الصارمة التي تعتمدها هذه المؤسسات على أنها تعقيد أو مبالغة، وإنما هي انعكاس لتراكم علمي ومنهجي امتد لعقود، بل لقرون في بعض الحالات. فدار Elsevier تعود جذورها إلى سنة 1583، بينما تأسست Brill سنة 1683، وقد بنت كل منهما سمعتها العلمية من خلال الالتزام الصارم بمعايير الجودة والتحكيم والنزاهة الأكاديمية.
ولا يعني هذا أن هذه المؤسسات بمنأى عن النقد؛ فثمة ملاحظات علمية ومنهجية، بل وإيديولوجية، يمكن أن تُوجَّه إلى بعض سياساتها، وربما أفرد لها مقالا مستقلا في مناسبة أخرى. غير أن تلك الملاحظات لا تنفي قيمتها العلمية ولا تقلل من إسهامها الكبير في تطوير البحث الأكاديمي العالمي.
إن ما يلفت الانتباه في الواقعة التي بدأت بها هذه المقالة ليس طول مدة الانتظار فحسب، بل استعداد الباحث لتحمل ثلاث جولات كاملة من التحكيم العلمي، وما صاحبها من مراجعات وإضافات وإعادة صياغة. فقد انتقل بحثه من تقرير إلى آخر، ومن تعديل إلى تعديل، حتى خرج في صورته النهائية بعد أربع سنوات. وربما يرى البعض أنها “مقالة واحدة” يتيمة، لكنها في ميزان البحث العلمي الجاد قد تعادل عشرات المقالات التي تُنشر في بعض المجلات التي تصف نفسها بأنها “علمية محكمة”، بينما تفتقر في الواقع إلى أبسط مقومات التحكيم الأكاديمي الرصين. وللأسف، أصبح هذا النوع من المجلات يتكاثر في عدد من البلدان العربية والإسلامية، حتى بات يسيء إلى مفهوم النشر العلمي أكثر مما يخدمه.
ولا يسعني هنا إلا أن أحيي ذلك الباحث على صبره وإصراره، إذ لم يفقد الأمل رغم امتداد رحلة التحكيم سنوات طويلة، ولم ينظر إلى ملاحظات المحكمين باعتبارها عائقا، بل فرصة لتجويد عمله والارتقاء به.
وأختم هذه الخواطر بتجربتي الشخصية من خلال مجلة اجتهاد للدراسات الإسلامية والعربية (في أوروبا)، التي أتولى رئاسة تحريرها. تصلنا مقالات بصورة منتظمة، لكن بعض أصحابها لا ينتظرون سوى أيام قليلة، أو أسبوعا على الأكثر، حتى يبدأوا في مراسلتنا عبر مختلف القنوات: منصة المجلة، والبريد الإلكتروني، وصفحات المركز، وحسابات التواصل الاجتماعي، وأحيانا عبر تعليقات علنية على صفحات المركز، يستفسرون فيها عن سبب عدم الرد أو يعترضون على قرار الرفض الأولي إذا لم تستوفِ المقالة شروط المجلة.
وعندما نوضح لهم أن المقالة تمر بمراحل متعددة، تبدأ بالفحص الأولي، ثم التحقق من استيفاء الشروط الشكلية والمنهجية، قبل إحالتها إلى التحكيم السري المزدوج، وأن هذه الإجراءات ليست خيارا شخصيا، وإنما تفرضها أخلاقيات النشر ومعاييره، وأن المجلة مسجلة في المكتبة الملكية البلجيكية وتخضع لمقتضيات علمية وإجرائية دقيقة، لا يقتنع بعضهم بذلك، بل قد يقابل هذا التوضيح بالاستهزاء أو الإساءة.
ولعل أفضل ما يمكن أن يفعله هؤلاء هو أن يخوضوا تجربة النشر في إحدى المجلات التابعة لدور النشر الأكاديمية العالمية الكبرى. حينها سيدركون أن النشر العلمي الرصين ليس قرارا سريعا، ولا خدمة تُنجز في أيام، بل مسار أكاديمي طويل يقوم على التحكيم الدقيق، والمراجعة المستمرة، والصبر، واحترام المعايير. وعندها فقط سيكتشفون أن كل ما يُنشر تحت عنوان “بحث علمي محكم” لا يستحق بالضرورة هذا الوصف، وأن جودة البحث لا تُقاس بسرعة نشره، بل بقيمة المعرفة التي يضيفها، وبالصرامة العلمية التي خضع لها قبل أن يرى النور.



