مقالات

لماذا اندفع آلاف الشباب المغاربة نحو سبتة؟ قراءة هادئة في الأسباب… وما الذي ينبغي فعله قبل أن تتكرر المأساة؟

عبد الحميد أبو زرة/ كاتب وباحث مغربي

في كل مرة تقع فيها ظاهرة اجتماعية كبرى، نسارع إلى البحث عن تفسير واحد يريحنا: الفقر، أو السياسة، أو المؤامرة، أو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن علم الاجتماع يعلمنا أن الظواهر المعقدة لا تُفسَّر بعامل واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل التي تتراكم عبر الزمن حتى تبلغ لحظة الانفجار.

وما شهدناه من اندفاع آلاف الشباب، بل حتى الأطفال والنساء، نحو سبتة، ليس استثناءً من هذه القاعدة.

لقد رأى البعض في المشهد دليلاً على الأزمة الاقتصادية، ورآه آخرون نتيجة فقدان الثقة في المؤسسات، بينما ركز فريق ثالث على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أو على السياق السياسي والدبلوماسي. والحقيقة أن كل هذه القراءات تحمل جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تمثل الحقيقة كاملة.

أول هذه العوامل هو العامل الاقتصادي. فالمغرب، رغم ما حققه من تقدم في البنيات التحتية والاستثمارات الكبرى، لا يزال يواجه تحدياً حقيقياً في خلق فرص شغل كافية، خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات. ولم تعد المشكلة مقتصرة على البطالة، بل أصبحت تمتد إلى جودة فرص العمل، ومستوى الأجور، وارتفاع كلفة السكن والمعيشة، وصعوبة الانتقال من الجامعة إلى سوق الشغل. لذلك يشعر كثير من الشباب أن سنوات الدراسة لا تتحول بالضرورة إلى فرصة للترقي الاجتماعي، وهو شعور يولد الإحباط أكثر مما يولده الفقر نفسه.

لكن الاقتصاد وحده لا يفسر ما وقع. فبين الذين حاولوا العبور يوجد قاصرون لم يدخلوا بعد إلى سوق العمل، كما يوجد شباب ينحدرون من أسر متوسطة، بل وحتى من أسر مستقرة مادياً. وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم في علم النفس الاجتماعي، هو “الحرمان النسبي”. فالإنسان لا يقارن نفسه اليوم بما كان عليه وضع والديه أو أجداده، وإنما يقارن نفسه بما يشاهده يومياً على شاشة هاتفه. عشرات الصور ومقاطع الفيديو القادمة من أوروبا ترسم نموذجاً مثالياً للحياة، بينما تختفي خلفها قصص البطالة والعزلة والتمييز وصعوبة الاندماج. وهكذا يصبح الشعور بالتأخر أقوى من الواقع نفسه.

إلى جانب ذلك، كشفت الأحداث عن أزمة في التنشئة الاجتماعية. فمن الصعب تفسير خروج هذا العدد الكبير من الأطفال والقاصرين دون الإقرار بأن الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التربوية، لم تعد تمتلك التأثير نفسه الذي كانت تمتلكه قبل عقدين. في المقابل، أصبحت جماعة الأقران، ومنصات التواصل الاجتماعي، قادرة على تعبئة آلاف الشباب خلال ساعات قليلة. إنها ظاهرة تعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”العدوى الجماعية”، حيث ينتقل السلوك داخل المجموعة بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على احتوائه.

كما لا يمكن تجاهل العامل السياسي والمؤسساتي. فالكثير من النقاشات التي رافقت هذه الأحداث لم تكن تدور حول الفقر فقط، بل حول الثقة. الثقة في المؤسسات، وفي الأحزاب، وفي الإدارة، وفي قدرة الكفاءة على أن تجد طريقها إلى النجاح. عندما يشعر جزء من الشباب بأن مستقبله لا تحدده الجدارة وحدها، وأن آليات الترقي الاجتماعي لا تعمل بالكفاءة نفسها التي يتوقعها، فإن فكرة البحث عن فرصة خارج الوطن تصبح أكثر جاذبية، حتى بالنسبة لمن يمتلك عملاً أو شهادة جامعية.

وهناك أيضاً عامل بدأ يحظى باهتمام متزايد في الدراسات الدولية، وهو العامل المناخي. فقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متتالية أثرت في النشاط الفلاحي، وقلصت مداخيل آلاف الأسر في العالم القروي، وساهمت في تسريع الهجرة الداخلية نحو المدن. وعندما تعجز المدن بدورها عن استيعاب هذا التدفق، تتحول الهجرة الخارجية إلى الخيار التالي في سلسلة البحث عن فرص العيش. لذلك لم يعد التغير المناخي قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً غير مباشر في تفسير التحولات الاجتماعية والهجرات البشرية.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي التقليل من أثر وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه المنصات لا تنقل الأخبار فقط، بل تصنع التوقعات أيضاً. فهي قادرة على تضخيم النجاح، وإخفاء الفشل، ونشر الإشاعة بسرعة، وتحويل فكرة فردية إلى سلوك جماعي في ظرف ساعات. غير أن تحميلها كامل المسؤولية سيكون تبسيطاً مخلاً؛ فهي في النهاية تُسرّع ظاهرة موجودة أصلاً، لكنها لا تخلقها من العدم.

إن أخطر ما كشفته هذه الأحداث ليس مجرد الرغبة في الهجرة، وإنما اتساع دائرة من فقدوا الأمل في إمكانية تحسين أوضاعهم داخل الوطن. وهذا ما ينبغي أن يثير اهتمام صناع القرار أكثر من مشهد العبور نفسه، لأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لا تمنع تكرار الظاهرة.

أما الحلول، فلا يمكن أن تكون أمنية فقط، كما لا يمكن أن تكون إعلامية أو خطابية. المطلوب قبل كل شيء إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية، وتكافؤ الفرص. كما أن إصلاح المدرسة يجب أن يجعلها فضاء لبناء المهارات، والتفكير النقدي، والتوجيه المهني، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.

ويظل خلق فرص الشغل المنتجة أولوية لا غنى عنها، مع توجيه الاستثمار نحو القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب الشباب، وربط التكوين المهني والجامعي بحاجيات الاقتصاد الحقيقي، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتسهيل تمويل المشاريع الصغيرة، خاصة في الجهات التي تعرف معدلات مرتفعة للهجرة.

وفي الوقت نفسه، أصبح من الضروري الاستثمار في الصحة النفسية للشباب، وفي مراكز الإنصات والتوجيه، وتعزيز التربية الرقمية والإعلامية حتى يصبح الشباب أكثر قدرة على التمييز بين الواقع والصورة التي تصنعها المنصات الرقمية. كما ينبغي توسيع قنوات الهجرة القانونية والمنظمة، حتى لا يبقى “الحريك” هو الخيار الوحيد في مخيلة كثير من الشباب.

إن الوطن لا يقاس فقط بعدد الطرق السيارة، أو الموانئ، أو المشاريع الكبرى، كما لا يقاس أيضاً فقط بعدد الأزمات والاختلالات. يقاس قبل كل شيء بمدى شعور شبابه بأن لهم مكاناً فيه، وأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخله لا خارجه.

وحين يشعر الشاب أن العدالة ممكنة، وأن الكفاءة تجد طريقها، وأن الأمل ليس مجرد شعار، ستصبح الهجرة خياراً من بين خيارات الحياة، لا حلماً جماعياً ولا وسيلة للهروب من المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!