مقدمة
لم يرد القصص القرآني لمجرد سرد الأحداث أو تسجيل الوقائع التاريخية، وإنما جاء لبناء الإنسان، وتوجيه وعيه، وتقويم سلوكه، وتأسيس منظومته المعرفية والقيمية؛ ولذلك كان القرآن الكريم يلفت الأنظار إلى الغاية من القصص أكثر من اهتمامه بتفاصيل الزمان والمكان والأشخاص، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
وتُعد قصة موسى والخضر الواردة في سورة الكهف من أغنى القصص القرآنية بالدلالات التربوية؛ إذ تعرض نموذجًا فريدًا للعلاقة بين المعلم والمتعلم، وتكشف عن جملة من المبادئ التي تؤطر عملية التعلم، وآداب طلب العلم، وبناء المعرفة، وإدارة الحوار، والصبر على التعلم، والتدرج في اكتساب الفهم.
غير أن استحضار بعض مفاهيم علوم التربية وعلم النفس التربوي في قراءة هذه القصة يقتضي ضبطًا منهجيًا؛ فالقرآن الكريم هو المصدر المؤسس، وهو المرجعية العليا التي تُستنبط منها المبادئ والهدايات، أما النظريات التربوية الحديثة فهي اجتهادات بشرية نشأت في سياقات معرفية مختلفة، يمكن الإفادة منها في تفسير الممارسات التربوية المعاصرة، دون أن تكون حاكمة على النص القرآني أو مفسرة له.
وانطلاقًا من هذا التصور، يسعى هذا المقال إلى استخراج عدد من الوقفات التربوية من قصة موسى والخضر، ثم مناقشة امتداداتها في ضوء بعض المفاهيم الراسخة في علوم التربية وعلم النفس التربوي، بما يسهم في بناء قراءة تربوية معاصرة تستلهم هدي القرآن، وتحافظ في الوقت نفسه على التمييز بين الوحي بوصفه مصدرًا معصومًا، والمعرفة الإنسانية بوصفها جهدًا علميًا قابلًا للمراجعة والتطوير.
الوقفة الأولى: الدافعية للتعلّم
المنطلق القرآني
تبدأ رحلة موسى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]، وهي عبارة تعكس إصرارًا على طلب العلم، واستعدادًا لتحمل مشقة الرحلة في سبيل الوصول إليه. وقد أشار المفسرون إلى أن في ذلك دلالة على فضل الارتحال في طلب العلم، وأن مكانة المتعلم لا تُغنيه عن الاستزادة منه، مهما بلغ من المنزلة العلمية (الطبري، جامع البيان؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم).
الاستنباط التربوي
تكشف الآية أن التعلم لا يبدأ بالقدرة العقلية وحدها، بل يبدأ بوجود دافع داخلي يدفع الإنسان إلى البحث والاكتشاف، ويجعله مستعدًا لبذل الوقت والجهد في سبيل المعرفة.
قراءة في الأدبيات التربوية
يُعد الدافع للتعلم (Learning Motivation) من المفاهيم المركزية في علم النفس التربوي؛ إذ تؤكد الأدبيات أن الدافعية الداخلية ترتبط بزيادة المثابرة، وعمق التعلم، والقدرة على مواجهة التحديات التعليمية، مقارنة بالدافعية القائمة على المكافآت الخارجية (Woolfolk, 2022؛ Slavin, 2020).
تطبيق تربوي
إن تنمية دافعية المتعلم لا تتحقق بالإلزام وحده، بل بإثارة فضوله، وربط المعرفة بالمعنى والغاية، وإشعاره بأن طلب العلم رحلة تستحق الجهد، وهو ما تجسده بداية رحلة موسى عليه السلام.
الوقفة الثانية: التواضع المعرفي… مدخل بناء التعلم
المنطلق القرآني
قال موسى عليه السلام للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]. جاء الطلب بصيغة يغلب عليها الأدب والتواضع؛ فلم يُقدِّم موسى نفسه بما أوتي من نبوة أو علم، ولم يرَ في مكانته ما يغنيه عن التعلم، وإنما أعلن استعداده لأن يكون متعلمًا بين يدي من آتاه الله علمًا من لدنه. وقد استنبط المفسرون من هذه الآية أن من أعظم آداب طالب العلم التواضع لمعلمه، وحسن الخطاب معه، والاعتراف بفضل من يملك علمًا يجهله (ابن عاشور، التحرير والتنوير؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن).
الاستنباط التربوي
تكشف هذه الآية أن التواضع المعرفي ليس خُلُقًا فحسب، بل هو شرط من شروط التعلم؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يضيف إلى معارفه شيئًا ما دام يعتقد أنه قد أحاط بكل شيء علمًا. فالاعتراف بحدود المعرفة يمثل نقطة الانطلاق نحو اكتساب معرفة جديدة.
قراءة في الأدبيات التربوية
يحظى مفهوم التواضع المعرفي (Epistemic Humility) باهتمام متزايد في الأدبيات التربوية المعاصرة؛ إذ تشير الدراسات إلى أنه يرتبط بالانفتاح على التعلم، والاستعداد لمراجعة القناعات، وتقبل التغذية الراجعة، وهي خصائص تسهم في بناء متعلم أكثر مرونة وفاعلية في مواجهة المواقف التعليمية (Leary et al., 2017؛ Krumrei-Mancuso, 2016).
تطبيق تربوي
إن بناء بيئة تعليمية تُشجع المتعلم على طرح الأسئلة، والاعتراف بعدم المعرفة دون خوف أو حرج، يُعد من أهم المداخل لتنمية التعلم العميق، ويعزز ثقافة البحث المستمر بدل الاكتفاء بما هو معروف.
الوقفة الثالثة: العلاقة التربوية بين المعلم والمتعلم… أساس نجاح التعلم
المنطلق القرآني
اشترط الخضر على موسى عليه السلام قبل بدء الرحلة: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]. ويكشف هذا الشرط أن العملية التعليمية تقوم على وضوح الأدوار، والالتزام المتبادل، واحترام المنهج الذي يختاره المعلم لتحقيق أهداف التعلم. وقد أشار ابن عاشور إلى أن الآية تؤسس لأدب المتعلم في الالتزام بتوجيهات معلمه ما دامت لا تخالف الشرع، لما في ذلك من تحقيق لمصلحة التعلم.
الاستنباط التربوي
إن نجاح العملية التعليمية لا يعتمد على كفاءة المعلم أو استعداد المتعلم فحسب، بل يتأثر أيضًا بجودة العلاقة التربوية بينهما، القائمة على الثقة والاحترام والتواصل المنظم.
قراءة في الأدبيات التربوية
تؤكد الدراسات التربوية أن العلاقة الإيجابية بين المعلم والمتعلم ترتبط بارتفاع الدافعية، وتحسن التحصيل الدراسي، وزيادة الاندماج في التعلم، كما تسهم في توفير مناخ نفسي آمن يساعد على النمو المعرفي والانفعالي (Pianta, 1999؛ Hattie, 2009).
تطبيق تربوي
كلما كانت قواعد التعلم واضحة منذ البداية، وشعر المتعلم بالاحترام والثقة، أصبحت البيئة الصفية أكثر استقرارًا وفاعلية.
الوقفة الرابعة: التدرج في بناء المعرفة… التعلم عملية تراكمية
المنطلق القرآني
لم يكشف الخضر الحكمة من أفعاله منذ وقوعها، وإنما ترك موسى عليه السلام يعيش الخبرة كاملة، ثم قال في نهاية الرحلة: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]. فجاء التفسير بعد اكتمال التجربة، لا قبلها.
الاستنباط التربوي
يدل هذا المنهج على أن بناء المعرفة لا يتم دفعة واحدة، وإنما يمر بمراحل متدرجة، ينتقل فيها المتعلم من الملاحظة، إلى التساؤل، ثم إلى الفهم العميق بعد اكتمال عناصر الموقف التعليمي.
قراءة في الأدبيات التربوية
يعد التدرج في التعلم من المبادئ الأساسية في التربية الحديثة، حيث يرى برونر أن تقديم المعرفة ينبغي أن يراعي النمو المعرفي للمتعلم، بينما يؤكد بياجيه أن التعلم يبنى تدريجيًا من خلال إعادة تنظيم الخبرات السابقة في ضوء الخبرات الجديدة (Bruner, 1966؛ Piaget, 1972).
تطبيق تربوي
ينبغي للمعلم أن ينتقل بطلابه من البسيط إلى المركب، ومن المحسوس إلى المجرد، وألا يستعجل النتائج قبل اكتمال مراحل التعلم.
الوقفة الخامسة: التغذية الراجعة… أثر التوقيت في ترسيخ التعلم
المنطلق القرآني
بعد انتهاء المواقف الثلاثة، كشف الخضر الحكمة الكامنة وراء كل موقف، وختم بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82]. ولم يكن تأخير البيان عجزا عن التوضيح، وإنما كان جزءًا من المنهج التربوي الذي اتبعه مع موسى عليه السلام.
الاستنباط التربوي
تبرز القصة أن قيمة التغذية الراجعة لا تتوقف على مضمونها فقط، بل تتعلق أيضًا بتوقيت تقديمها؛ فحين يمر المتعلم بالتجربة أولا، يصبح أكثر قدرة على فهم التفسير واستيعابه وربطه بخبرته.
قراءة في الأدبيات التربوية
تعد التغذية الراجعة من أكثر الممارسات التعليمية تأثيرا في تحسين التعلم، شريطة أن تكون واضحة، ومحددة، وتقدم في الوقت المناسب بما يساعد المتعلم على تعديل فهمه وتطوير أدائه (Hattie & Timperley, 2007).
تطبيق تربوي
ليست الاستجابة الفورية لكل سؤال هي الخيار التربوي الأفضل دائمًا؛ ففي بعض المواقف يكون إتاحة الفرصة للمتعلم كي يفكر ويجرب، ثم تقديم التغذية الراجعة في الوقت المناسب، أكثر أثرًا في ترسيخ التعلم وبناء الفهم العميق.
الوقفة السادسة: التعلم بالخبرة والملاحظة… طريق إلى الفهم العميق
المنطلق القرآني
لم يعتمد الخضر عليه السلام على الشرح النظري المجرد، وإنما جعل موسى عليه السلام يعيش أحداثًا واقعية متتابعة؛ خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، ثم كشف له الحكمة الكامنة وراء كل موقف، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82].
الاستنباط التربوي
تبين القصة أن الخبرة العملية تعد مدخلًا أساسيًا لبناء المعرفة؛ فالفهم يترسخ عندما يعيش المتعلم الموقف، ويلاحظ أحداثه، ثم يتأملها في ضوء ما يتلقاه من توجيه.
قراءة في الأدبيات التربوية
يعد التعلم بالخبرة (Experiential Learning) من أبرز المداخل في التربية المعاصرة؛ إذ يرى كولب (Kolb, 1984) أن التعلم الفعال يمر بالخبرة المباشرة، ثم التأمل فيها، فبناء المفهوم، ثم تطبيقه في مواقف جديدة، وهو ما تجلى بوضوح في مسار تعلم موسى عليه السلام مع الخضر.
تطبيق تربوي
ينبغي أن يحرص المربون على توفير فرص التعلم القائم على الممارسة، والملاحظة، والتأمل، وألا يقتصر التعليم على التلقين؛ فالخبرة العملية أقدر على ترسيخ المعرفة وتحويلها إلى سلوك ومهارة.
خاتمة
تكشف القراءة التربوية لقصة موسى والخضر أن القرآن الكريم يقدم نموذجًا متكاملًا في بناء العملية التعليمية، تتداخل فيه الأبعاد المعرفية والوجدانية والأخلاقية، بما يجعل التعلم مسارًا لتكوين الإنسان قبل أن يكون وسيلة لاكتساب المعلومات. فالدافعية إلى التعلم، والتواضع المعرفي، والانضباط في العلاقة بين المعلم والمتعلم، والتدرج في بناء المعرفة، والتغذية الراجعة، والتعلم القائم على الخبرة؛ كلها مبادئ تتآزر داخل نسق تربوي واحد، لا تُعرض في صورة قواعد نظرية مجردة، وإنما تتجسد في مواقف حية، تجعل المتلقي يعيش التجربة قبل أن يدرك فلسفتها.
وتؤكد هذه الوقفات أن التربية في التصور القرآني ليست عملية تقنية تُقاس بكمية المعارف المنقولة، بل هي عملية بناء متكامل للإنسان، تراعي نموه العقلي، وتهذب وجدانه، وتربي سلوكه، وتكسبه القدرة على النظر المتأني، والصبر على التعلم، وإدراك أن المعرفة الحقة لا تُنال بالعجلة، وإنما تُبنى بالتدرج، والتأمل، وحسن التلقي.
ومن جهة أخرى، أظهرت المقارنة مع الأدبيات التربوية المعاصرة وجود قدر من الالتقاء بين عدد من المبادئ التي قررها القرآن الكريم، وما توصلت إليه البحوث الحديثة في علوم التربية وعلم النفس التربوي. غير أن هذا الالتقاء لا يعني أن قيمة المبادئ القرآنية مستمدة من توافقها مع النظريات الحديثة، بل إن الوحي يظل المرجعية المؤسسة، بينما تمثل تلك النظريات اجتهادات علمية تُسهم في توضيح بعض الممارسات التربوية، وتظل قابلة للنقد والمراجعة والتطوير.
ولعل من أهم ما تفضي إليه هذه القراءة الحاجة إلى توسيع مجال الدراسات البينية التي تستلهم القرآن الكريم في بناء المعرفة التربوية، من خلال منهج علمي منضبط يحفظ خصوصية النص القرآني، ويستفيد في الوقت نفسه من منجزات البحث التربوي المعاصر. فمثل هذه المقاربات لا تسهم في إثراء الدراسات القرآنية وعلوم التربية فحسب، بل تفتح آفاقًا جديدة لتأسيس نماذج تربوية أصيلة، تستجيب لحاجات الإنسان المعاصر، وتجمع بين أصالة المرجعية وفاعلية الممارسة.
.
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر العربية
– القرآن الكريم.
– ابن عاشور، محمد الطاهر. (1984). التحرير والتنوير: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد. تونس: الدار التونسية للنشر.
– ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (1999). تفسير القرآن العظيم. تحقيق سامي بن محمد سلامة. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع.
– الطبري، محمد بن جرير. (2001). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان.
– القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري. (2006). الجامع لأحكام القرآن والمبيّن لما تضمنه من السنة وآي الفرقان. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. بيروت: مؤسسة الرسالة.
ثانيًا: المراجع الأجنبية
– Bruner, J. S. (1960). The Process of Education. Cambridge, MA: Harvard University Press.
– Hattie, J. (2009). Visible Learning: A Synthesis of Over 800 Meta-Analyses Relating to Achievement. London: Routledge.
– Hattie, J., & Timperley, H. (2007). The power of feedback. Review of Educational Research, 77(1), 81–112. https://doi.org/10.3102/003465430298487
– Kolb, D. A. (1984). Experiential Learning: Experience as the Source of Learning and Development. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
– Krumrei-Mancuso, E. J., & Rouse, S. V. (2016). The development and validation of the Comprehensive Intellectual Humility Scale. Journal of Personality Assessment, 98(2), 209–221. https://doi.org/10.1080/00223891.2015.1068174
– Leary, M. R., Diebels, K. J., Davisson, E. K., Jongman-Sereno, K. P., Isherwood, J. C., Raimi, K. T., Deffler, S. A., & Hoyle, R. H. (2017). Cognitive and interpersonal features of intellectual humility. Personality and Social Psychology Bulletin, 43(6), 793–813. https://doi.org/10.1177/0146167217697695
– Pianta, R. C. (1999). Enhancing Relationships Between Children and Teachers. Washington, DC: American Psychological Association.
– Piaget, J. (1952). The Origins of Intelligence in Children. New York: International Universities Press.
– Slavin, R. E. (2020). Educational Psychology: Theory and Practice (13th ed.). Pearson.



