مقالات

خطاب العرش 2026… حين تتحول الرؤية إلى مشروع دولة

حمزة الصمري/ باحث في العلوم السياسية

ليست كل الخطب سواء. فهناك خطب تلقى لتواكب مناسبة، وهناك خطب تؤسس لمرحلة. وخطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، يندرج بلا شك ضمن الصنف الثاني؛ إذ جاء ليس باعتباره وثيقة احتفالية تستحضر حصيلة الماضي، وإنما باعتباره إعلانا صريحا عن مرحلة جديدة في مسيرة المغرب، عنوانها الثقة، وقاعدتها الاستقرار، وغايتها بناء دولة أقوى وأكثر قدرة على مواجهة تحولات العالم.
في زمن تتعثر فيه الأمم أمام عواصف السياسة والاقتصاد، وتفقد فيه دول كثيرة بوصلتها بين أزمات الداخل وتقلبات الخارج، يواصل المغرب كتابة مساره بلغة مختلفة؛ لغة الدولة التي تعرف إلى أين تتجه، وتملك من وضوح الرؤية ما يجعلها تتقدم بخطى ثابتة، مهما تبدلت الظروف. والأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضا عن الذات، وإنما هو شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطي القوة والحافز على مواصلة الجهود.

الاستقرار… الرأسمال الأول

في عالم تتزايد فيه الأزمات، وتعرف فيه مناطق عديدة اضطرابات سياسية واقتصادية عميقة، جاء التأكيد الملكي على أن الاستقرار ليس مجرد وضع عابر، بل هو رأسمال استراتيجي للمغرب. فالدول لا تستطيع بناء اقتصاد قوي أو جذب الاستثمارات أو تحقيق التنمية في غياب مؤسسات مستقرة وثقة في المستقبل.
وفي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن. وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية، وبالتدبير الاستباقي للكوارث، مما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم. فالاستقرار ليس امتيازا عابرا، بل هو ثمرة مؤسسات راسخة، وقيادة تستشرف المستقبل، وشعب يلتف حول ثوابته الوطنية.

من اقتصاد الإنجاز إلى اقتصاد الريادة

لقد كان الاقتصاد محورا مركزيا في الخطاب، لكن ليس باعتباره أرقاما مجردة، بل باعتباره عنوانا لتحول عميق في النموذج التنموي المغربي. فالمغرب لم يعد يراهن فقط على استقطاب الاستثمارات، بل على بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق القيمة، وتطوير التكنولوجيا، والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.
إن الحديث عن تحول المملكة إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وعن دخولها النادي المصغر للدول المصنعة لمحركات وأنظمة هبوط الطائرات، وعن تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، وإطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر، يعكس توجها استراتيجيا يرمي إلى جعل المغرب فاعلا صناعيا وليس مجرد سوق استهلاكية.
إنها ليست مجرد مشاريع صناعية، بل إعلان بأن المغرب لم يعد يقبل أن يبقى على هامش الثورة الصناعية الجديدة، بل يريد أن يكون أحد الفاعلين فيها. فالدول لم تعد تقاس فقط بحجم ثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على الإنتاج والابتكار والتصنيع. وقد أصبحت صادرات المغرب من قطاعات السيارات والطيران تفوق 40% من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط.
كما عرف المغرب تساقطات مطرية مهمة وموسما فلاحيا جيدا، مما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي. وبلغت نسبة النمو حوالي 4,9% سنة 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى نفس المعدل أو تتجاوزه في 2026.

السيادة الوطنية… مفهوم يتجاوز الحدود

من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب إعادة تعريف مفهوم السيادة الوطنية ليشمل مجالات جديدة. ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل كذلك بقدرتها على ضمان أمنها الغذائي والدوائي والطاقي والتكنولوجي.
ومن هذا المنطلق، فإن تغطية الصناعات الغذائية والدوائية لما يقارب 80% من الحاجيات الوطنية، والانخراط في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، يعكس توجها نحو بناء اقتصاد أكثر صلابة وقدرة على مواجهة التحولات العالمية. إنها رؤية تعتبر أن استقلال القرار الوطني يبدأ من استقلال الاقتصاد، وأن الدولة القوية هي التي تنتج ما تحتاج إليه، وتمتلك المعرفة والتكنولوجيا.

الإنسان في قلب المعادلة

ورغم الحضور القوي للبعد الاقتصادي، لم يغفل الخطاب الجانب الاجتماعي. فقد أكد جلالة الملك أن الهدف الأساس كان ولا يزال خدمة المواطن، وتمكين المغاربة من شروط العيش الحر الكريم. وهي رسالة تحمل دلالة واضحة: أن جوهر أي مشروع وطني لا يقاس فقط بحجم الأوراش المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحسين حياة الإنسان وصيانة كرامته.
لذا، جدد الخطاب التأكيد على مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وتسريع برامج التنمية الترابية المندمجة، بما يضمن استفادة جميع الجهات من ثمار التنمية. كما وجه دعوة صريحة للقطاع المالي لمواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، والاضطلاع بدور أكبر في تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع الابتكار والتصنيع والتصدير.
فالرهان الحقيقي لأي مشروع وطني ليس فقط تحقيق النمو، وإنما ضمان أن يصل أثر هذا النمو إلى المواطنين، وأن يشعر الجميع بأن التنمية مسار جماعي لا يستثني أحدا.

شريك دولي بثقة دولة

على المستوى الخارجي، أكد الخطاب صورة المغرب كدولة تسعى إلى بناء شراكات متوازنة ومتنوعة، انطلاقا من موقع الثقة والاحترام المتبادل. فالمملكة لم تعد تكتفي بالتفاعل مع التحولات الدولية، بل أصبحت تسعى إلى التأثير فيها.
إن المغرب اليوم لا يطلب موقعا على طاولة الشراكات، بل يشارك في تشكيلها، مستندا إلى مصداقية راكمها عبر سنوات من الاستقرار والإصلاح. إنه فاعل اقتصادي مهم، وشريك مطلوب، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل.

استمرارية المشروع الوطني

ولعل الإشارة إلى الانتخابات التشريعية المقبلة تحمل دلالة سياسية عميقة؛ إذ تؤكد أن الدولة تنظر إلى تداول الحكومات باعتباره جزءا من استمرارية المشروع الوطني، لا سببا لتغيير وجهته. فالمشاريع الكبرى لا ترتبط بعمر الحكومات، وإنما تنبع من رؤية استراتيجية تتجاوز الزمن الانتخابي.
إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تم تحقيقها تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي وصواب الاختيارات الكبرى.

خاتمة: وطن يصنع مستقبله

إن خطاب العرش لسنة 2026 يقدم صورة لمغرب اختار طريق البناء الهادئ والعمل المتواصل. مغرب يجعل من الاستقرار قوة، ومن التنمية مشروعا، ومن السيادة هدفا استراتيجيا. إنه خطاب دولة تنظر إلى المستقبل لا بعين القلق، بل بعين الثقة.
وبعد سبعة وعشرين عاما من اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، تبدو المملكة أكثر ثقة في نفسها، وأكثر حضورا في محيطها، وأكثر إيمانا بأن الأمم التي تمتلك رؤية واضحة، وإرادة صلبة، وشعبا متشبثا بوطنه، لا تصنع الحاضر فحسب، بل تكتب المستقبل أيضا. فالمستقبل لا ينتظر، بل يصنع؛ والأوطان العظيمة هي تلك التي تحول التحديات إلى إنجازات، والرؤى إلى واقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!