مراجعات كتب

قراءة في كتاب إشكالية تقويم القيم في مادة التربية الإسلامية

ذ. زهير الغندور

بسم الله الرحمن الرحيم                                                            وصلى الله على نبينا محمد آله

مقدمة:

لم يكن الاهتمام بتقويم القيم من الأمور المعتنى بها قديما في البحوث التربوية نظرا لصعوبة تقويمها بل لأن البعض يرى أنه لا يمكن تقويمها مطلقا، لكن في الآونة الأخيرة ظهرت محاولات هنا وهناك تبتغي تجاوز هذه العقبة، وإثبات حقيقة مفادها أن القيم قابلة للتقويم بوسائل متعددة ومتنوعة، ومن بين تلك المحاولات الجادة كتاب: “إشكالية تقويم القيم في مادة التربية الإسلامية – الأسس النظرية والممارسات العملية _ ” الذي سأروم بإذن الله تعالى تقديم قراءة فيه قصد الاستفادة والإفادة؛ والله الموفق لكل خير.

سأسلك بعون الله تعالى في قراءة هذا الكتاب المنهجية الآتية.

أولا: تقديم نبذة مختصر عن مؤلفي الكتاب؛

ثانيا: وصف الكتاب وتوثيقه؛

ثالثا: خطة الكتاب؛

رابعا: عرض مضامين الكتاب؛

خامسا: تقويم الكتاب.

أولا: نبذة مختصرة عن مؤلفي الكتاب.

مؤلفا الكتاب هما الأستاذان الفاضلان: ذ.محمد فارس، وذ.الراضي مومني، وكلاهما خريج مركز تكوين مفتشي التعليم سنة 2018، ولكل منهما مشاركات في ندوات وطنية ودولية، وكذا إسهامات علمية متميزة، منها: كتاب الفقه للسنة الثانية ثانوي إعدادي أصيل، سنة 2014 (بالاشتراك) للأستاذ محمد فارس، والنظر المقاصدي عند مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة – القضايا المالية نموذجا، سنة 2013. للأستاذ الراضي المومني.

ثانيا: وصف الكتاب وتوثيقه.

 هذا الكتاب هو من الحجم المتوسط، عدد صفحاته مائة وسبع وتسعون، طبع مرتين: الأولى سنة 1439هـ/2018م، والثانية سنة 1441هـ/2020م؛ وكلا الطبعتين ضمن سلسلة إصدارات مركز مداد للأبحاث والدراسات بالمغرب، وقد اعتمدت الطبعة الأولى لتعذر حصولي على الطبعة الثانية بسبب الحجر الصحي.

ثالثا: خطة الكتاب.

قسم المؤلفان كتابهما إلى إطار منهجي وثلاثة أبواب، فالإطار المنهجي خصص لبيان إشكالية البحث، وفرضياته، والدراسات التي سبقته، وأهدافه، والمنهج المتبع في إنجازه، والأدوات المستعملة…؛ والباب الأول: ضُمن الإطار النظري للبحث، وجاء في فصلين وستة مباحث مقسمة بينهما بالتساوي، عالج فيه البحثان مصطلحات البحث بالتحديد والتعريف، وكذا ما يتعلق بإشكالية تقويم القيم؛ والباب الثاني: جاء في ثلاثة فصول وتسعة مباحث مقسمة بينهم بالتساوي، خصص للإطار التطبيقي للبحث المتعلق أساسا بتقويم القيم في الوثائق الرسمية الخاصة بمادة التربية الإسلامية.

وأما الباب الثالث فخصص للإطار الميداني المرتبط بتقويم القيم في الاشتغال الصفي، وتضمن ثلاثة فصول وعشر مباحث. الفصل الأخير منها تضمن خلاصات البحث وتوصياته.  

رابعا: عرض مضمون الكتاب.

  • الإطار المنهجي: عرض فيه الباحثان الإشكالية التي انطلقا منها وهي: هل القيم تقوم؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما مدى حضور هذا التقويم في الوثائق الرسمية، والممارسات الصفية في مادة التربية الإسلامية؟، ثم وضع الباحثان فرضيات علمية انطلاقا من خبرتهما العلمية وتجربتهما الميدانية مفادها: أن القيم يمكن تقويمها وفق صنافات ومؤشرات محددة؛ كما أنه يضعف تقويم القيم في الوثائق الرسمية، والممارسات الصفية المرتبطة بمادة التربية الإسلامية.
  •  الباب الأول: في الإطار النظري، وتضمن فصلين: فصلا تمهيديا اعتنى بالمقاربة المفهومية لمصطلحات البحث وهي: القيم، والتقويم، ومادة التربية الإسلامية؛ فأما القيم فهي: ” الموجهات الباعثة على السلوك والمعيار لتقييمه”[1]، وأما التقويم فهو: ” كل الأنشطة التعليمية التي يستهدف منها المعلم في فترات معينة (نهاية الدرس، نهاية الوحدة، …) اختبار وقياس قدرات المتعلمين المكتسبة من الناحية المعرفية أو المهارية أو الوجدانية”[2]، ومادة التربية الإسلامية هي: ”  مادة دراسية تروم تلبية حاجات المتعلم الدينية التي يطلبها منه الشارع حسب سيرورته النمائية والمعرفية والوجدانية ..”[3]؛ وبالتالي خلصا إلى أن تقويم القيم في مادة التربية الإسلامية هو الحكم على مدى تحقق الأهداف القيمية في مادة التربية الإسلامية[4]. وفصلا ثانيا خلص فيه البحثان إلى أن تقويم القيم يتربط أساس بتقويم الأهداف التربوية عامة والوجدانية على وجه الخصوص رغم ما يكتنف هذه العملية من صعوبات تتجلى أساسا في كون القيم غائرة في عمق وجدان المتعلم، ولا يمكن الكشف عما في القلب، كما أن المتعلم يمكنه تغيير ميوله واتجاهاته إرضاء لجهة معينة، أو قصد تحقيق غرض معين، وغيرها من العوائق.[5] وقد طرح الباحثان حلولا لتجاوز هذه العقبات أهمها: تنويع وتوسيع أدوات وأساليب التقويم، من خلال الجمع بين أدوات القياس الكتابية (الاستبيانات، التقرير الذاتي…)، والحركية (الملاحظة المنظمة، وقوائم المراجعة…)، والشفوية (المقابلة الشفوية…)[6]؛ وكذا اعتماد صنفات خاصة بتقويم القيم أهمها: صنافة كراثوول[7]، وصنافة فريق إعداد الدليل الإجرائي لمعلم القرآن[8].
  •  الباب الثاني: في الإطار التطبيقي، تتبع فيه البحثان مدى حضور تقويم القيم في الوثائق الرسمية الخاصة بمادة التربية الإسلامية، انطلاقا من المذكرتين التأسيسيتين 202 و 170، مرورا بأول منهاج عرفته المادة سنة 1994[9]، وصولا إلى المنهاج الجديد 2016[10]، وما يتصل به من إطار مرجعي[11]، ومذكرات منظمة للمراقبة المستمرة[12]، إضافة إلى كتاب رحاب التربية الإسلامية الأولى باكالوريا[13]. وقد توصل البحاثان انطلاقا من شبكات تحليل المحتوى إلى أن تقويم القيم عرف تطورا عبر توالي الوثائق الرسمية، حيث كان غائبا في بداية الأمر ثم بدأ يحضر تدريجيا تبعا لوعي واضعي الوثائق بأهميته، غير أنه لم يرق إلى مستويات التقويم العليا كما هو محددة في صنافة كراثوول (التنظيم، والتمثل)، وبقي محصورا في المستويات الدنيا (التعريف، التقبل، البناء، واتخاذ الموقف، والتمثل أحيانا)[14].

كما خلصا إلى أن القيمة المركزية، والقيم الناظمة التي كان منهاج 2016 موفقا في تحديدها تفقد مركزيتها وناظميتها مكونات العملية التعليمية التعلمية عامة، وفي عنصر التقويم على وجه الخصوص. وهذا ما يدعو إلى مزيد عناية بتقويم القيم، وتفعيل مركزيتها وناظميتها في جميع عناصر ومراحل العملية التعليمية التعلمية.        

  •  الباب الثالث: في الإطار الميداني، حيث اعتمد الباحثان أداة الاستمارة التي ضمت أحد عشر سؤالا ووزعت على مجتمع البحث وهو أساتذة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي (الإعدادي والتأهيلي) بالمملكة المغربية حيث اعتمدا عينة عشوائية مكونة من مائتين وأربع وأربعين (244) أستاذا[15]؛ وقد أظهرت نتائج تحليل الاستمارة أن تقويم القيمة المركزية والقيم الناظمة ضعيف ومضطرب في الممارسات الصفية للأساتذة سواء على مستوى تصورهم للمستويات المقصودة بالقيمة، أو على مستوى الأدوات المستعملة في التقويم[16]، أو على مستوى مرحلة التقويم (نهاية الدرس، نهاية الأسدس، نهاية السنة…)[17]، وذلك رغم عمق وعيهم بأهمية تقويم القيم.

وقد عزا البحثان هذا الضعف والاضطراب بالأساس إلى عدم استفادة الأستاذة من تكوين في منهجية تقويم القيم، والتكوين كما هو معلوم: أساس الممارسة الصفية الناجحة والراشدة[18].

ثم ختم الباحثان بحثهما بتوصيات ومقترحات من شأنها أن تعيد الاعتبار للقيم تدريسا وتقويما، ومن أبرزها:

  1. إعادة النظر في الأطر والمذكرات المنظمة للامتحانات بما يمكن من قياس مدى تحقق المتعلم بالقيم المقصودة؛
  2. جعل الحياة المدرسية فضاء لتقويم القيم؛
  3. ضرورة تكوين الأساتذة في منهجية تقويم القيم؛
  4. تخصيص مجزوءات خاصة بالتقويم في مراكز التكوين في مهن التربية، وفي مركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط.

     خامسا: تقويم الكتاب.

يظهر من خلال الكتاب أن مؤلفَيه بذلا جهدا في إخراجه في أحسن حلة، ولذا جاء سهل الأسلوب، جزل العبارة، واضح الأفكار، قليل الأخطاء المطبعية، أسلوبه تربوي محض يدل على ذلك الحضور الوازن للمصطلحات التربوية، اعتمد مؤلفاه على جملة من المصادر والمراجع العربية والأجنبية بلغ عددها أربعة وعشرون (24) مرجعا عربيا، وسبعة عشر (17) مرجعا أجنبيا، يغلب عليها الجانب التربوي.

وختاما يمكن القول إن المؤلفين قد أحسنا توظيف خبراتهما التربوية، وممارستهما الميدانية، للإجابة على إشكالية تقويم القيم، ويبدو لي – والله أعلم – أنهما كانا موفقين إلى حد كبير في تحقيق ما سطراه من أهداف، كما أن شخصيتهما كانت حاضرة في كل فصل من فصول هذا الكتاب القيم.

وفرغ منه يومه الأربعاء 18 شوال 1441، الموافق لـ 10 يونيو 2020   

                     إعداد: زهير الغندور


[1] – إشكالية تقويم القيم، ص: 44.

[2] – نفسه، ص: 37.

[3] – نفسه، ص: 35 – 47.

[4] – نفسه، ص: 79.

[5] – نفسه، ص: 58.

[6] – نفسه، ص: 59 – 60.

[7] – نفسه، ص: 68 – 73.

[8]– نفسه، ص: 74 – 75.

[9] – نفسه، ص: 91.

[10] – نفسه، ص: 95.

[11] – نفسه، ص: 111.

[12] – نفسه، ص: 120.

[13] – نفسه، ص: 129.

[14] – نفسه، ص: 118 – 122.

[15] – نفسه، ص: 146.

[16] – نفسه، ص: 156.

[17] – نفسه، ص: 162.

[18] – نفسه، ص: 163.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا