التخطيط الديداكتيكي في مادة التربية الإسلامية بالمدرسة المغربية وتحديات الرقمنة: نحو مقاربة قيمية وإجرائية لإدماج الذكاء الاصطناعي ومواجهة إكراهات العصر

الدكتورة دنيا تامري، باحثة في ديداكتيك التربية الإسلامية
تخوض المنظومة التربوية المغربية في الآونة الأخيرة سياقاً ديناميكياً يبتغي التحديث التكنولوجي الشامل، انسجاماً مع مقتضيات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح ومشاريع التحول الرقمي (Transformation digitale) التي تقودها وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب .
وفي قلب هذا المسار التحديثي، تجد مادة التربية الإسلامية نفسها أمام لزوم معرفي ومنهجي يفرض مواكبة التطور الحالي لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وما يصاحبه من تدفق معلوماتي يعيد تشكيل وعي المتعلم وطرق تحصيله للمعارف وتفاعله مع القيم . إن هذا الواقع الرقمي الجديد يضع الفاعل التربوي أمام إشكالية ديدكتيكية مركبة تتجلى في: كيف يمكن التخطيط لإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في منهاج التربية الإسلامية بالمدرسة المغربية كأداة ديدكتيكية فاعلة، بما يضمن التمكين الرقمي للمتعلم، وفي الآن ذاته يحصن خصوصيته العقدية ونضجه الأخلاقي أمام إكراهات الرقمنة وفوضى المضامين الافتراضية؟
ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال عبر محاوره الاستدلالية إلى تشخيص إكراهات الرقمنة في السياق المغربي، ثم بسط آليات النقل الديداكتيكي والجسور القيمية الكفيلة بتأطير هذه التقنية، وصولاً إلى هندسة سيناريو بيداغوجي تطبيقي يوضح إجراءات التدريس والتقويم بالفصل الدراسي بتكامل مع الثوابت الدينية للمملكة.
أولاً: تشخيص الإكراهات السوسيو-تربوية للرقمنة في المدرسة المغربية
لتفكيك هذه الإشكالية ومعالجتها بشكل منهجي، يقتضي الأمر أولاً تشخيص الإكراهات السوسيو-تربوية (Contraintes socio-éducatives) التي تفرضها الرقمنة الراهنة في الفضاء المدرسي المغربي؛ حيث أضحى المتعلم يعيش في بيئة افتراضية مفتوحة تعرضه لظواهر الاستلاب الرقمي وتراجع منسوب التفكير النقدي، نتيجة الاعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة الذكية لتوليد الإجابات الجاهزة والبحوث المدرسية دون أدنى جهد عقلي أو تدبر.
ويضاف إلى ذلك إكراه التضليل المعرفي والقيمي، إذ تفتقر خوارزميات الذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان إلى الخصوصية العقدية والثقافية للمجتمع المغربي، مما يولد إجابات وفتاوى ومضامين مشوهة أو منحازة قد تمس بالثوابت الدينية والوطنية للمتعلمين، فضلاً عن انتشار تقنيات التزييف العميق والشائعات الرقمية التي تهدد قيم الصدق والأمانة العلمية التي تنبني عليها المادة .
ثانياً: النقل الديداكتيكي والجسور القيمية لحماية العقل
وأمام هذه التحديات، يبرز دور النقل الديداكتيكي (Transposition didactique) كآلية بيداغوجية حاسمة لتحويل هذه المعارف الرقمية المعقدة إلى موضوعات قابلة للدراسة والتحليل، مستندة إلى المداخل الخمسة لمنهاج التربية الإسلامية المغربي .
ويتجلى هذا التوظيف عبر جسور قيمية واضحة، حيث يتم تفعيل مدخل الحكمة من خلال تحويل الأمر الإلهي بالتبين في الأخبار إلى كفاية مستعرضة (Compétence transversale) تسمى اليقظة الرقمية والحس النقدي، مما يدفع المتعلم لمساءلة مخرجات الآلة وعدم التسليم بها . كما يتم استحضار مقصد حفظ العقل كضرورة شرعية ومقصدية لحماية تفكير المتعلم من الاستهلاك السلبي والتزييف ، بالإضافة إلى ربط قيمة الأمانة بالمسؤولية الأخلاقية في التعامل مع المحتوى الرقمي المولد خوارزمياً والإشارة الصادقة لمصادره تماشياً مع أطر الحوكمة الرقمية المعاصرة .
ثالثاً: الثوابت الدينية للمملكة المغربية كاطار مرجعي قيمي لتاطير مخرجات الذكاء الاصطناعي
إن هذا التأصيل الديداكتيكي يكتسب مشروعيته وبناءه العلمي من خلال تكامله التام مع الثوابت الدينية للمملكة المغربية بروافدها: العقيدة الأشعرية، المذهب المالكي، التصوف السني، وتحت ظلال إمارة المؤمنين كضامن للأمن الروحي للمغاربة .
وتتبدى المقاربة المقاصدية هنا في جعل هذه الثوابت هي المصفاة القيمية (Filtre axiologique) التي تعرض عليها مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ فبينما يتيح المذهب المالكي مرونة ديداكتيكية في معالجة النوازل الرقمية عبر أصل رعاية المصالح وسد الذرائع، يسهم التصوف السني في كبح جماح التدفق الرقمي اللامشروط وترسيخ قيم التزكية والأمانة الرقمية، مما يتيح للنقل الديداكتيكي ربط المتعلم بالمؤسساتية الدينية الرسمية للمملكة، ومواجهة فوضى الفتاوى والأفكار المولدة خوارزمياً.
رابعاً: هندسة السيناريو البيداغوجي وتطبيقاته الإجرائية بالفصل
وعلى المستوى الإجرائي والتطبيقي (Niveau operational) في المدارس المغربية، يترجم هذا الإدماج عبر هندسة سيناريوهات بيداغوجية تعتمد على الوضعية المشكلة (Situation-problème) والطرائق النشطة (Méthodes actives)، تماشياً مع التوجيهات التربوية الرسمية.
حيث ينطلق الأستاذ في بناء درسه من وضعية تقويمية واقعية، يعرض فيها مثلاً نصاً تحليلياً لقيمة أخلاقية أو فتوى فقهية تم استخراجها من روبوت ذكاء اصطناعي، وتنطوي على خطأ شرعي أو تحيز قيمي أو بتر للاستدلال بالآيات والأحاديث . وهنا ينظم الأستاذ الفضاء الديداكتيكي عبر مجموعات عمل تفاعلية، يتقمص فيها المتعلمون دور لجنة الفحص والتقويم الشرعي لتفكيك مخرجات الآلة ومقارنتها بالثوابت والنصوص الرسمية المعتمدة بالمملكة، ويمتد الإجراء إلى تدريبهم على الصياغة السليمة للأوامر الذكية (Prompts)، مما ينمي مهارات التحليل والنقد العليا وفق تصنيف بلوم للأهداف التربوية، وينقل المتعلم من مستهلك تكنولوجي سلبي ومستلب، إلى فاعل رقمي واعي ومحصن قيمياً .
خامساً: التقويم الديداكتيكي التكاملي وأبعاد الكفاية الرقمية
وحتى تكتمل البنية المنهجية لمعالجة الإشكالية المطروحة، يغدو من الضروري اعتماد تقويم ديداكتيكي تكاملي (Évaluation intégrative) يوازن بين ثلاثة أبعاد أساسية:
أولها البعد المعرفي الذي يقيس مدى استيعاب المتعلم لمفهوم الذكاء الاصطناعي ومخاطر التحيز والتضليل الرقمي، وثانيها البعد المهاري التقني الذي يختبر قدرته العملية على استخدام أدوات الفحص والتحقق الرقمي بنجاعة، ثم ثالثها البعد الفلسفي الوجداني الذي يتجلى في القرارات المسؤولة التي يتخذها المتعلم كالصّدق الرقمي وحفظ كرامة الآخرين تماشياً مع فلسفة التعليم القائم على المخرجات والكفايات .
خاتمة واستشراف: نحو إيتيقا رقمية إسلامية أصيلة*
وفي الختام، يتبين أن تجديد التخطيط الديداكتيكي في مادة التربية الإسلامية بالمغرب لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة إستراتيجية تمليها تحديات الرقمنة وإكراهات العصر المعاش . والغاية الأسمى من هذه المقاربة لا تكمن في تقديم دروس تقنية في البرمجة، بل في بناء وتأصيل إيتيقا رقمية إسلامية (Éthique digitale) منسجمة مع الهوية المغربية الأصيلة ومقاصد الشريعة السمحة والثوابت الدينية للمملكة .
إنها دعوة بيداغوجية لتخريج جيل من المتعلمين يمتلك الكفاءة التقنية المواكبة للعصر، ومحصناً بوعي نقدي وإيماني راسخ، يجعله قادراً على تطويع تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة مجتمعه ونفسه بمسؤولية، دون أن يفقد إنسانيته وقيمه الدينية الراسخة .
الهوامش والتوثيق الأكاديمي
- وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني (المغرب). المخطط التنفيذي لبرنامج إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم (برنامج جيل مدرسة رقمية)، مديرية الاستراتيجية والإحصاء والتخطيط.
- اليونسكو (2024). تقرير التوجيهات العالمية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث العلمي. منشورات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.
- Wenger, D., Hossain, M. S., & Senseman, J. R. (2024). AI and the impact on journalism education. Journalism & Mass Communication Educator.
- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – ألكسو (2023). الاستراتيجية العربية الاسترشادية للذكاء الاصطناعي في التعليم والأخلاقيات الرقمية في الفضاء العربي. تونس.
- Diakopoulos, N. (2019). Automating the news: How algorithms are rewriting the media. Harvard University Press.
- وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني (المغرب). منهاج التربية الإسلامية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، مديرية المناهج.
- الريسوني، أحمد (2014). الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية ورعاية مقاصد العقل وحفظه من المؤثرات المعاصرة. دار الكلمة، القاهرة.
- NIST. (2023). AI Risk Management Framework (AI RMF 1.0). National Institute of Standards and Technology.
- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (المغرب). دليل خطبة الجمعة والمحاضرات العلمية: الثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية. منشورات الوزارة، الرباط.
- المجلس العلمي الأعلى (المغرب). المؤسساتية الفقهية والأمن الروحي للمملكة المغربية في العصر الرقمي. منشورات الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى, الرباط.
- وزارة التربية الوطنية (المغرب). الدليل البيداغوجي العام وتوجيهات المقاربة بالكفايات وإدارة الوضعيات المشكلة بالسلك الثانوي.
- Pavlik, J. V. (2021). Journalism in the age of virtual reality and artificial intelligence. Journalism & Mass Communication Quarterly.
- UNESCO. (2021). AI and education: Guidance for policy-makers. UNESCO Publishing.
- اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي (المغرب، 2021). تقرير النموذج التنموي الجديد: مغرب الكفاءات والتحول الرقمي المستدام. العاصمة الرباط.

