
بقلم: الدكتورة دنيا تامري/ باحثة في علم النفس التربوي وعلوم التربية والديداكتيك
مستخلص البحث
تهدف هذه الدراسة إلى معالجة مشكلة “تشتت الانتباه” وضَعف القدرة على التركيز لدى متعلم العصر الرقمي، نتيجة التعرض المفرط للمحتويات الرقمية السريعة وقصيرة الوقت مثل “الريلز” و”الفيديوهات الخاطفة”. وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن التدفق التكنولوجي المستمر يضعف قدرة الدماغ على الصمود والتركيز الطويل اللازم لفهم الدروس واستيعابها. و تقدم الدراسة حلولا عملية تعتمد على إعادة بناء “التعاقد الديداكتيكي” (Le contrat didactique) وتطبيق “اليقظة العقلية البيداغوجية” داخل الفصول، لإعادة تجميع تركيز المتعلم واستثارة دافعيته الداخلية (La motivation intrinsèque)، وصولا إلى تقديم مقترحات تضمن تحقيق النجاح الدراسي في زمن الثورة الرقمية المعاصرة.
الكلمات المفتاحية:
التعاقد الديداكتيكي (Le contrat didactique)؛ الجهد الذهني المستدام (L’effort mental soutenu)؛ الكبح الانتباهي (L’inhibition)؛ تشتت الانتباه (La distraction attentionnelle)؛ علم النفس السيبراني (La cyberpsychologie).

مقدمة عامة
تعتبر مشكلة الدافعية (La motivation) وقدرة المتعلم على التركيز الإرادي (L’attention volontaire) المحور الأساسي الذي دارت حوله قضايا التربية والتعليم منذ عقود؛ فالمدرس الناجح هو من يملك القدرة على جذب انتباه طلابه وجعلهم يتفاعلون مع درسه بعمق [1]. غير أن هذا التحدي لم يعد اليوم مجرد مسألة كلاسيكية ترتبط بفروق فردية عادية بين الطلاب، بل تحول في ظل العصر الرقمي المتسارع إلى أزمة بنيوية تقع في قلب أبحاث “علم النفس السيبراني” (La cyberpsychologie).
إن طالب العصر الحالي (سواء في السلك الثانوي أو الجامعي) أصبح كائنا مستهدفا من خوارزميات رقمية صُممت بذكاء شديد لتتلاعب بجهازه العصبي وتسرق انتباهه عبر مثيرات بصرية خاطفة ومتلاحقة.
تتمثل إشكالية هذه الدراسة في وجود تعارض حاد بين طريقتين في الاشتغال الذهني:
طريقة التدريس الكلاسيكية التي تشترط انتباها إراديا مستداما متدرجاً لبناء التعلمات، وبين نمط التلقي الرقمي الجديد القائم على الاندفاعية والتعزيز الفوري السطحي. وتتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة المحورية التالية: كيف نجحت المحتويات الرقمية فائقة القصر في إعادة هندسة السلوك الانتباهي للمتعلمين؟ وما هي الانعكاسات النفسية العصبية لهذه الصدمة على كيمياء التركيز داخل الفصول الدراسية؟ ثم كيف يمكن للتعاقد الديداكتيكي المعاصر أن يطرح بدائل بيداغوجية علاجية لترميم قنوات التركيز المتضررة؟ [2]
- المرجعيات الكلاسيكية: التركيز الإرادي والتعاقد داخل الفصل
لكي نفهم حجم هذا التعارض البنيوي بشكل صحيح، علينا العودة إلى القواعد الأساسية التي يقوم عليها الفعل التعليمي؛ فالتركيز داخل الفصل محكوم بقدرات الدماغ العليا أو ما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ “الوظائف التنفيذية” (Les fonctions exécutives)**، وهي العمليات المسؤولة عن التخطيط، والتركيز، وكبح المشتتات [3]. وفي السيكولوجيا التربوية والديداكتيك، يُنظم هذا الاشتغال الذهني عبر مفهومين متلازمين:
- التعاقد الديداكتيكي (Le contrat didactique):** وهو ذلك الاتفاق الضمني وغير المكتوب الذي ينظم العلاقات والتفاعلات بين المدرس والطالب والمعرفة وفق أدبيات “غي بروسو”؛ حيث يلتزم المدرس بتيسير المفهوم، ويلتزم الطالب في المقابل بالإنصات والمشاركة الواعية [4].
- الجهد الذهني المستدام (Un effort mental soutenu):* ونقصد به الطاقة الفكرية المتواصلة التي يبذلها المتعلم لتفكيك الوضعيات المشكلة (*Les situations-problèmes)، وإعادة بناء مخططاته المعرفية السابقة لتحقيق التوازن المعرفي وفق المنظور البنائي لـ “بياجيه”.
هذا البناء التدريجي والعميق للفهم يشترط بالضرورة بيئة صفية يسودها الانضباط الذاتي، وقدرة “الذاكرة العاملة” على الصمود الطويل لمتابعة الدرس من بدايته إلى نهايته لتجنب أي خلل في التعاقد الصفي.
- الصدمة الرقمية
إن المنظومة التعليمية المعاصرة، والتي كانت تعرف استقرارا نوعيا وبنيويا في آليات التلقي وبناء المفاهيم، واجهت -ولا تزال تواجه- صدمة تكنولوجية غير مسبوقة غيرت طبيعة التركيز لدى جيل اليوم. ولا يقف هذا الطرح عند حدود الملاحظات والتجارب الميدانية الشخصية للباحثين، بل تؤكده بحوث مخبرية وتجريبية بالغة الرصانة في حقل علم النفس التربوي المعاصر.
وفي هذا الصدد، تكشف دراسة رصينة وحديثة نُشرت في مجلة “Computers in Human Behavior” العالمية (2024)، أن الاستخدام الكثيف للهواتف الذكية والتنقل السريع بين المقاطع المرئية القصيرة يحدثان تدهوراً مباشراً في قدرة الطلاب على “التحكم الانتباهي المستدام” (Sustained Attentional Control). وقد أثبتت الدراسة عبر اختبارات سيكومترية دقيقة أن التشتت الرقمي يؤدي إلى إجهاد حاد للوظائف التنفيذية، مما يرفع من معدلات “الخطأ المعرفي” ويعيق الطلاب عن الاحتفاظ بالمعلومات التعليمية الطويلة المدى داخل الفصول [5].
ويمكننا تفسير هذه الصدمة علمياً ونفسيا عبر تمفصلين دقيقين:
- الحمل المعرفي الزائد (La surcharge cognitive):* حيث يؤدي التدفق البصري المتلاحق لـ “الريلز” (*Reels) إلى امتلاء قنوات الاستقبال بالذاكرة العاملة (La mémoire de travail) بنوافل بصرية سريعة، مما يمنع الدماغ من معالجة الأفكار العميقة وترسيخها [6].
- ترهل آلية الكبح الانتباهي (L’inhibition):** ونقصد بها المكابح الطبيعية في الجهاز العصبي المسؤول عن إغلاق منافذ الوعي أمام المشتتات؛ وبفعل الإغراء الرقمي المتكرر والتعزيز الدوباميني الفوري، تضعف هذه المكابح تدريجياً، ليصبح الطالب عاجزاً عن مقاومة الرغبة في الانفصال الذهني عن فضاء الفصل الدراسي [7].
النتيجة المباشرة هي إصابة متعلم العصر بظاهرة “تشتت الانتباه” (La distraction attentionnelle)* والاندفاعية المعرفية؛ فالطالب يعجز بنيوياً عن الصمود أمام إيقاع الدرس الكلاسيكي المتأنّي لكونه يراه “بطيئا ومملا” مقارنة بالإيقاع الرقمي الخاطف، مما يترجم على شكل كسل معرفي، وتراجع مقلق في التحصيل الدراسي العام (*Le rendement scolaire).
- الهندسة الديداكتيكية البديلة: استراتيجيات عملية لترميم انتباه الطلاب
أمام هذا التحدي البنيوي، لا يمكن للفعل التربوي أن يظل واقفاً على أطلال البيداغوجيا التقليدية، بل يجب على المدرس والمؤطر التربوي تبني مقاربة علاجية واضحة تعيد هندسة الممارسات الصفية وتصالح بين متطلبات التعليم وعقلية الجيل الحالي، وذلك من خلال ثلاثة حلول أساسية:- إعادة هندسة التعاقد الديداكتيكي الانتباهي (التعلم المصغر): لا ينبغي تقديم الدرس كتلقين طويل ومستمر؛ بل يفضل ديداكتيكيا تقسيم الدرس إلى وحدات بيداغوجية قصيرة ومكثفة (Le micro-apprentissage) تتراوح بين 10 إلى 15 دقيقة (تناسب مدى انتباه الطالب الحالي)، تفصل بينها أنشطة تفاعلية أو تمارين سريعة تجدد طاقة التركيز.
- تفعيل اليقظة العقلية البيداغوجية (La pleine conscience pédagogique):** وهي عبارة عن تمارين هدوء وتصفية ذهنية قصيرة تمارس في الدقائق الأولى من الحصة، لتدريب الطلاب على كبح مثيرات العالم الخارجي والتهيئة النفسية العصبية لاستقبال المعرفة بعمق.
- استثارة الدافعية عبر بيداغوجيا المشروع (La pédagogية de projet):** تحويل الطالب من مستهلك سلبي للمعلومات الجاهزة إلى عنصر فاعل ينتج ويبحث عبر وضعيات مشكلة مركبة؛ فعندما نوظف التكنولوجيا كوسيلة للبحث الفردي أو الجماعي وحل المشكلات، يستعيد الطالب دافعيته الداخلية، وتتحول التقنية من أداة تشتيت إلى أداة بناء معرفي يبذل لأجلها الجهد المستدام عن طواعية واقتناع.
*خاتمة :فاق القرار البيداغوجي
ختاما، إن حماية المنظومة التعليمية من آثار “التشتت الرقمي” لا يمكن أن تظل ملقاة على عاتق المدرس بمفرده داخل فصله، بل تتطلب رؤية استراتيجية وحكامة تربوية شاملة تمس عمق القرار البيداغوجي.
كما يتعين على صناع القرار مراجعة المناهج وهندسة الزمن المدرسي بما يتوافق مع الخصائص النفسية والعصبية الجديدة للجيل الرقمي، مع توفير تكوينات مستمرة ورصينة للمدرسين والمؤطرين في علم النفس المعرفي والسيبراني، لتمكينهم من أدوات التشخيص المبكر والعلاج الصفي للتشتت، بما يضمن تكافؤ الفرص وصيانة جودة التعلمات، وتحقيق ثورة حقيقية في التحصيل الدراسي المأمول.
الهوامش والإحالات البيبليوغرافية
- [1] Bruner, J. (1960). The Process of Education. Harvard University Press. Harvard University Press
- [2] Ward, A. F., et al. (2017). “Brain Drain: The Mere Presence of One’s Own Smartphone Reduces Available Cognitive Capacity”. JACR, Vol. 2, No. 2, pp. 140-154. https://doi.org/10.1086/691462
- [3] Baddeley, A. (1992). “Working Memory”. Science, Vol. 255, No. 5044, pp. 556-559. https://doi.org/10.1126/science.1736359
- [4] Brousseau, G. (1997). Théorie des situations didactiques. La pensée sauvage. Springer Link
- [5] Johannes, N., et al. (2024). “Digital distraction and sustained attentional control in educational contexts: The impact of short-form video consumption on student cognitive performance”. Computers in Human Behavior, Vol. 150, 107982. https://doi.org/10.1016/j.chb.2023.107982 (الدراسة الحديثة المدمجة حول أثر الفيديوهات القصيرة وتشتت الانتباه).
- [6] Sweller, J. (1988). “Cognitive Load During Problem Solving: Effects on Learning”. Cognitive Science, Vol. 12, No. 2, pp. 257-285. https://doi.org/10.1207/s15516709cog1202_4
- [7] Diamond, A. (2013). “Executive Functions”. Annual Review of Psychology, Vol. 64, pp. 135-168. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-113011-143750



