
قراءة د. زكرياء عريف/ باحث في الفكر الإسلامي ومناهج التربية
في هذه الأيام المباركة أتممت قراءة هذا الكتيب الصغير الحجم الكثير الفائدة(الركب النبوي بالمغرب، محمد بن بوعزة، لبيل كتاب) . وهو كتاب يعبر عن لهفة المغاربة وتشوفهم لزيارة الأماكن المقدسة، من خلال انخراطهم في قوافل وركاب الحجيج لأداء فريضة الحج رغم بعد المسافة وأخطار السبيل.

لقد كانت رحلة الحج تمتد على مدى ثمانية أشهر على أقل تقدير، وقد تصل إلى سنة أو سنتين بحسب الظروف والأحوال. وكانت تواجه الحجاج الكثير من المحن سواء في طريقهم البري من خلال استيلاء قطاع الطرق على قوافلهم – لقد صارت هذه القوافل أشبه بسرية عسكرية ملزمة بالقتال الدائم لفتح الطريق وتجنب الغرامات- أو طريقهم البحري عبر القراصنة. ويشير الباحث محمد بن بوعزة في هذا الكتاب إلى أن أول ركب أنشأه المغاربة هو الركب الصالحي، الذي يرجع إلى أواسط العصر الموحدي، نسبة إلى أبي محمد صالح الماجري(ت631 ه) ، الذي ارتكزت طريقته الصوفية على تنظيم الحج لبيت الله الحرام وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وكان من عناية هذا المتصوف المغربي بهذا الركب أن أسس له رباطات وزوايا عديدة لينزلها الحاج المغربي في ذهابه وإيابه من آسفي بالمغرب إلى البقاع المقدسة بالحجاز، مرورا بمصر والشام(بلغ عددها46 يقوم عليها مريدون شغلهم الشاغل خدمة الحجيج والمعتمرين، وتسهيل وتيسير وصولهم إلى ما يبغون بأمان) . وقد كان لهذا الركب أثر كبير في اتساع نطاق الركب المغربي وازدياد عدده واهتمام سلاطين المغرب بتنظيمه و تخصيص الأوقاف لسد نفقاته، وهي خمسة ذاع صيتها : الركب السجلماسي، الركب الفاسي(المريني) ، الركب المراكشي، الركب الشنقيطي، ثم الركب البحري(الذي ازدهر في عهد السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام) . ويصف الكتاب كيف أبدع المغاربة طرقا تربطهم بالديار المقدسة بعدما حالت بينهم زيارتها (منها إرسال رسائل إلى مكة والروضة الشريفة، لعل رسالة القاضي عياض إلى الروضة النبوية الشريفة تندرج في هذا السياق ). وقد صدرت فتاوى في إسقاط الحج عن المغاربة بسبب قطاع الطرق على الطريق البري أو تربص النصارى بالحجيج المغاربة وأهل الأندلس على الطريق البحري لأسرهم. وهذا ما يوضحه المؤرخون من سلب بني هلال للقوافل، فضلا عن غارات النور مان في المناطق الساحلية. لذلك أفتى كبار فقهاء المغرب والأندلس بإسقاط الحج وذلك على غرار فتوى ابن رشد الجد لعلي بن يوسف بن تاشفين وفتاوى أبي عمران الفاسي والطرطوشي والقاضي ابن العربي واللخمي والمازري.. ، بل إن الإمام الطرطوشي ذهب أبعد من ذلك بحيث أفتى بأن الحج حرام على أهل المغرب والأندلس، “فمن خاطر وحج سقط فرضه، ولكنه آثم بما ارتكب من الغرر”. وبقي أهل المغرب والأندلس على هذه الحال قرابة 80 عاما.
وعودة للطريقة الصالحية فقد كان من شروط الانتماء إليها هو أداء الحج مسبقا، وينضم إلى أتباعه الملازمين لأوارده، كطريقة وذلك لإبطال مقولة إسقاط الحج عن المغاربة، التي رفضها هذا الصوفي، كما رفضها تيار جمع بين قلة من الفقهاء والمتصوفة وعامة الناس، ويصر أصحابه على التمسك بأداء الفريضة بغض النظر عن كل الظروف. -وكان تنظيمه – أي الصالحي-للركب الذي سمي لاحقا باسمه – من أجل تشجيع الناس وحثهم على الحج وتفعيل ذلك ميدانيا.
ويشير الكاتب نقلا عن مصادر تاريخية إلى أن هذه الطريقة عمتن المغرب وأبطلت مقولة إلغاء الحج عن المغاربة



