أنشطة علميةإصداراتغير مصنفمتابعات علمية

المفكر المغربي سلمان بونعمان يستأنف مشروعه العلمي حول التجربة اليابانية

أصدر الدكتور سلمان بونعمان، أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ورئيس مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات كتابه الجديد: النهضة اليابانية دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة 1603-1868 ، وهو يتكون من جزأين بما مجموعه 700 صفحة(صادر عن مكتبة عقول ومركز معارف المستقبل للبحوث و الدراسات، ط1، 2026 )، وقد سبق للباحث الاشتغال على هذا الموضوع من خلال كتابه الموسوم ب: التجربة اليابانية: دراسة في أسس النموذج النهضوي الصادر سنة 2012 عن مركز نماء للبحوث و الدراسات.

ويجيب الكتاب ضمنيا على سؤال جوهري لطالما أرق العقل العربي الإسلامي، وهو لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟، لذلك أورد الباحث في مقدمة الجزء الأول بعض دوافع اشتباكه مع هذا الموضوع بقوله: “وقد كان سؤال الأمير شكيب أرسلان يرن في أذني: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ ويتردد معه السؤال الذي طرحه أبو الحسن الندوي بصيغة موازية: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟”، وتبعا لذلك عبر المؤلف عن هذا السؤال الإشكالي -في سياق دراسته لتجربة النهضة اليابانية- بطريقة مختلفة نسبيا تستبطن في طياتها الإجابة، وذلك عندما تساءل عن: “كيف صنعت اليابان حداثة دون تغريب؟، وكيف نسجت تحولها البطيء على خيوط هويتها العميقة دون التنكر لأصولها؟”.

ويجيب الكتاب في فصوله الثمانية عن السؤال أعلاه من خلال تتبع جذور وإرهاصات النهضة اليابانية في عصر نوكوغاوا، باعتبارها لحظة مفصلية في التجربة اليابانية اختزنت البذور المعرفية والاقتصادية والأخلاقية للنهوض قبل عهد الميجي. إذ يشير المؤلف إلى أهميتها بقوله: “ولم يطل الزمن بهذه الرؤية الأولية حتى أتاها انعطاف كبير قلبها رأسا على عقب، حين أعدت قراءة أطروحة أعفيف قراءة متأنية متفحصة، بعد سنوات من نضج السؤال واتساع دائرة المراجع المتخصصة، فإذا بصورة كنت أحملها في ذهني تنحلّ على مَهَل، وتترك مكانها لقراءة جديدة أعادت ترتيب الأشياء من أساسها. وقد تحول ما كان مجرد إشارة محدودة في كتاب 2012 إلى محور تفسيري مركزي يعاد عليه بناء التصور كله. وقد تميزت أطروحة أعفيف بأنها أنفقت جهدها في استكشاف حقبة ما قبل الميجي، حيث يرقد الزمن الصامت الذي تجاهلته معظم الكتابات، وتختبئ الأسرار الكبرى التي تفسر ما جرى لاحقا. وتسلّلت عبر هذا التتبع المنهجي إلى خلاصة تقلب الحس المألوف رأسا على عقب، مفادها أن “المعجزة اليابانية” التي يردد العالم اسمها كانت في حقيقتها ثمرة مسار طويل، نضج على نار هادئة عبر قرون من المخاض الداخلي الصامت، بعيدا عن أي احتكاك ساحر بالحضارة الأوروبية أو تقليد لنماذج جاهزة استوردها اليابانيون سواء من الصين أو من الغرب”.

وتكمن أهمية الكتاب – بحسب الدكتور بونعمان-في فتح أفق للتفكير في المصالحة بين الهوية والحداثة وبناء نهضة جديدة، تستلهم ولا تقلد وتنفتح دون استلاب، وتتجذر دون انغلاق، لاسيما في ظل سياق عربي مأزوم، تتصارع فيه الرؤى والمرجعيات، بعيدا عن اجتراح نماذج تفسيرية مفتاحية للعلاقة بين التقليد والتحديث.

ويستأنف الجزء الثاني من الكتاب المسارَ الذي افتتحه الجزء الأول، وقد توقّفَ عند البنية السياسية للتوكوغاوا وآليات العزلة الانتقائية، ومسارات التراكم الاقتصادي والمعرفي والتعليمي. وقد أجاب عن مجموعة من الأسئلة، من جملتها:

كيف أنتجت أمةٌ آسيوية صغيرة، عاشت قرنين ونصفا في عزلةٍ مقصودة وذكية، حداثةً سبقت محيطها وفاقت توقعات العالم في سرعة الاستيعاب وعمق الاتساق؟ وكيف استطاع مجتمعٌ ظلّ يُحكم بسيوف الساموراي أن يبني في صمتٍ شروط نهضةٍ ستذهل العالم حين تنكشف؟“. ويجيب بونعمان عن هذه الأسئلة بإحالته إلى أطروحة محورية قوامها أن “أنّ النهضة اليابانية لا تُفهم بمعزلٍ عن عمقها الرمزي والأخلاقي والجمالي، إذ يستحيل أن تتحرك المؤسسات والأسواق والمدن والمدارس بمعزلٍ عن منظومةٍ روحية تمنحها معنى وذوقا، ووجدانا جامعا” . وبالنسبة لدور الدين في النهضة اليابانية يؤكد المؤلف على دوره وفاعليته في النهوض الياباني؛ إذ أن : “المرجعية المقدّسة في اليابان لم تنحبس داخل المعابد والروحانيات الغامضة، إذ امتدّت إلى الحرفة والورشة والعمل اليومي، فأنتجت إنسانا منضبطا ومجتمعا متخلّقا، ووعيا جماعيا بالهوية والانتماء.”

تجدر الإشارة إلى أن الإصدار الجديد كان موضوعا للقراءة و التوقيع على هامش المعرض الدولي للنشر و الكتاب بالرباط في دورته 31، وذلك يوم السبت 3 ماي برواق جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس بحضور نخبة من الأساتذة والخبراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!