إصداراتنامقالات

“كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا”: سَبْقٌ نبويٌّ في تأسيس “مناعة المعلومات” ضد التضليل العميق في عصر الذكاء الاصطناعي.

دة. دنيا تامري/ خبيرة في الإعلام الرقمي ودكتوراه في الدراسات الإسلامية

Abstract
This paper addresses the contemporary crisis of “information disorder,” exacerbated by Generative AI, deepfakes, and the post-truth era, which collectively undermine human trust. It posits that a 14-century-old Prophetic guideline offers a sophisticated “information immunity” protocol that predates modern media ethics. The research analyzes the Hadith (Prophetic narration):
“كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”
(It is sufficient for a person to be considered a liar that they narrate everything they hear.)
The paper argues that this directive is not merely a moral admonition but a precise methodological principle. It uniquely shifts the burden of responsibility from the “originator” of falsehood to the “transmitter” (the individual who shares). In an age of viral sharing, this principle establishes every individual as a responsible “gatekeeper,” obligating them to practice verification (Tathabbut / Fact-Checking) before dissemination. The research concludes that this Islamic framework provides a robust and timeless solution to the challenges of digital disinformation and AI-generated deepfakes.

المقدمة
نعيش اليوم في عصر “الجائحة المعلوماتية” (Infodemic)، أو ما يُعرف بعصر “ما بعد الحقيقة” (Post-Truth)، حيث تتضاءل قيمة الحقيقة الموضوعية أمام الانفعالات. ومع التطور الهائل للذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، لم نعد نواجه “أخباراً كاذبة” (Fake News) فحسب، بل “تزييفاً عميقاً” (Deepfake) ينسف ثقتنا في حواسنا.
لكن، ماذا يحدث للثقة الإنسانية عندما يصبح “الواقع” ذاته قابلاً للتزييف الفائق؟
وأين تكمن المسؤولية الحقيقية في هذا الطوفان: هل هي فقط على “صانع” المحتوى المزيف، أم على “الناقل” الذي يشارك بضغطة زر وهو لا يعلم؟
عندما يُنتج الذكاء الاصطناعي مقاطع فيديو يصعب على الخبراء كشفها، يبرز سؤال منهجي: هل يمكن للمناهج الأخلاقية الإسلامية أن تقدم حلولاً لظاهرة تقنية مستجدة بهذا التعقيد؟
في هذا السياق المضطرب، يبرز التوجيه النبوي في حديث “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ” [1]، ليس كإرشاد أخلاقي مجرد، بل كـ “بروتوكول” متقدم لإدارة المعلومات. يقدم هذا البحث قراءة تحليلية لهذا الحديث كأصل منهجي يؤسس لـ “مناعة المعلومات” الفردية، ويسبق النظريات الحديثة في أخلاقيات الإعلام ومسؤولية الفرد (Gatekeeper) في العصر الرقمي.
الإعجاز المنهجي: من “التحديث” إلى “التثبت “
يكمن الإعجاز في حديث “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ” [1] في كونه لا يستهدف “مصدر” الكذب الأول فحسب، بل يستهدف “ناقل” المعلومة. إنه يضع المسؤولية كاملة على الفرد الذي يضغط زر “المشاركة” (Share) أو “إعادة التوجيه” (Forward).

  • تجريم “النقل العشوائي”: لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم “كفى بالمرء كذباً أن يكذب”، فالكذب المتعمد مجرّم بذاته، ولكنه قال “أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”. هنا، ساوى النبي صلى الله عليه وسلم بين “الكذب” وبين “نقل كل شيء” دون تمييز. وهذا هو جوهر عمل منصات التواصل الاجتماعي اليوم، التي تعتمد على النقل الفيروسي السريع.
    *تأسيس “المسؤولية الفردية”: الحديث يحوّل كل فرد من “متلقٍ سلبي” إلى “حارس بوابة” (Gatekeeper) مسؤول. في علم الإعلام، كانت هذه الوظيفة حكراً على المؤسسات (الصحف، التلفزيون). أما اليوم، فكل فرد يمتلك حساباً هو “مؤسسة إعلامية” مصغرة. الحديث النبوي يضع التشريع الأخلاقي لهذه “المؤسسة الفردية”: لا تحدث بكل ما تسمع.
  • الموافقة لمنهج “التبين” القرآني : هذا الحديث هو التطبيق العملي للمنهج القرآني الأصيل في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” (سورة الحجرات، 6) [3]. التوجيه النبوي يجعل “التبيُّن” (التثبت أو Fact-Checking) واجباً ذاتياً قبل النشر، لأن عاقبة عدم التثبت هي الوقوع في “الكذب” أو “الإثم”.
    التقارب العالمي: حين تلحق القوانين بالمنهج النبوي
    لم تدرك المؤسسات الدولية خطورة “النقل العشوائي” إلا مؤخراً بعد أزمات كبرى (كالتلاعب بالانتخابات، وجائحة كوفيد-19، وانتشار خطابات الكراهية). اليوم، تسعى كبرى المنظمات الدولية لوضع الأطر التي وضعها هذا الحديث قبل 14 قرناً:
  • منظمة اليونسكو (UNESCO): تقود اليونسكو جهوداً عالمية في “التربية الإعلامية والمعلوماتية” (Media and Information Literacy – MIL). جوهر هذا البرنامج هو تعليم الأفراد، وخاصة الشباب، مهارات التفكير النقدي قبل قبول أو مشاركة المعلومات. إنه، في جوهره، تطبيق معاصر لمبدأ “لا تُحدّث بكل ما تسمع” [4].
  • الاتحاد الأوروبي وقانون الخدمات الرقمية (DSA): أقر الاتحاد الأوروبي “قانون الخدمات الرقمية” (Digital Services Act)، وهو تشريع صارم يُلزم المنصات الكبرى (مثل فيسبوك، إكس، وتيك توك) بمحاربة “المعلومات المضللة” (Disinformation). هذا القانون، في عمقه، يعاقب “المؤسسة” التي سمحت بـ “التحديث بكل شيء” دون فلترة، وهو ما يتطابق مع تحميل المسؤولية للوسيط الناقل [5].
    الذكاء الاصطناعي وإلزامية “التوقف والتثبت “
    في عصر التزييف العميق، لم يعد التثبت رفاهية بل ضرورة وجودية. عندما يُظهِر فيديو مُعد بالذكاء الاصطناعي مسؤولاً سياسياً وهو يُدلي بتصريح خطير لم يقله، أو يتلاعب بمشاهد حرب، فإن “التحديث” به (أي مشاركته) لا يعد “إثماً” أخلاقياً فحسب، بل قد يرقى إلى “الجريمة القانونية” التي تهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي.
    ولعل القوانين الحديثة في كثير من الدول بدأت تنص صراحة على معاقبة ليس فقط “منتج” المحتوى المزيف، بل أيضاً “ناشره” الذي يساهم في ذيوعه بنية سيئة أو بإهمال جسيم، وهذا بالضبط ما حذر منه الحديث؛ فمشاركة الفيديو المزيف دون التأكد من مصدره في مؤسسة إخبارية موثوقة هو من باب “التحديث بكل ما نسمع”، وهو كافٍ لاعتبار الناشر “كاذباً” في نظر الشرع، وشريكاً في “الجريمة” في نظر القانون.
    خاتمة
    إن التوجيه النبوي في حديث “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا” ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل هو “نظرية متكاملة في أمن المعلومات”. لقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم لمبدأ “المناعة الذاتية” للمجتمع ضد فيروسات الأخبار الكاذبة. وفي زمن يعجز فيه الذكاء الاصطناعي عن التمييز بين الحقيقة والزيف الأخلاقي، يبقى المنهج النبوي هو الضمانة الأكيدة لبناء إعلام ذكي “آمن” و “مسؤول”.
    📚 الهوامش والمصادر
    [1] الإمام مسلم بن الحجاج. (د.ت.). صحيح مسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. “مقدمة”، باب وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ، وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ، حديث رقم 5.
    [2] الإمام أبو داود، سليمان بن الأشعث. (د.ت.). سنن أبي داود. كتاب الأدب، باب فِي التَّشْدِيدِ فِي الْكَذِبِ، حديث رقم 4992.
    [3] القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 6.
    [4] UNESCO. (2021). Media and Information Literacy: Policy and Strategy Guidelines. Paris: UNESCO Publishing. (تتناول هذه الإرشادات أهمية التربية الإعلامية كأداة لمواجهة التضليل).
    [5] European Commission. (2022). The Digital Services Act (DSA). (يُنظر إلى نصوص القانون المتعلقة بالتزامات المنصات بمكافحة المحتوى غير القانوني والمضلل).
    [6] Wardle, C., & Derakhshan, H. (2017). Information Disorder: Toward an interdisciplinary framework for research and policymaking. Council of Europe. (يُعد هذا التقرير مرجعاً أساسياً في تعريف فوضى المعلومات وأنواعها: Misinformation, Disinformation, Mal-information

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!