إصداراتنامقالات

محاربة الكسل: قراءة نفسية شرعية في ضوء قوله صلى الله عليه وسلم: “ولا تعجز”

دة. دنيا تامري/ باحثة في الدراسات الإسلامية وعلم النفس الإسلامي

المقدمة

الكسل ليس مجرد سلوك سلبي عابر، بل هو حالة نفسية معقدة تحول دون تحقيق الفاعلية والإنجاز في حياة الفرد. وتتزايد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول إلى عادة دائمة تُقعد الطاقات وتُهدر الإمكانات. لذلك نبهنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أثرها السلبي في الدعاء المأثور حين قال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» (رواه البخاري، حديث رقم: 6369)، وجاء في حديث ٱخر: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم، حديث رقم: 2664). فما هي أبعاد هذا التوجيه النبوي؟ وكيف يمكن محاربة الكسل من زاويتين: دينية ونفسية؟ وهل يمكن التوفيق بين خطاب الإيمان ووسائل علم النفس المعاصر لتحقيق شخصية فعالة ومنجزة؟

أولًا: تأصيل شرعي لمفهوم الكسل

في الهدي النبوي، يُعتبر الكسل من الموانع المعنوية التي تعيق الإنسان عن العبادة والسعي والعمل. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هذا الدعاء يوميًا: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»، مما يدلّ على خطورتهما على بناء الشخصية المسلمة. والكسل هنا لا يُقصد به فقط البطء الحركي، بل يشمل ايضا التراخي عن أداء الواجبات الدينية والدنيوية، مما قد ينعكس على ضعف الهمة والاعتماد على الغير.

وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: “إني لأمقت الرجل أن أراه فارغاً، لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة” (أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، رقم: 34474)، مما يدل على أن الفراغ والتكاسل مذمومان شرعاً.
واللافت أن السنة النبوية لم تكتفِ فقط بالتحذير من الكسل، بل قدّمت بدائل عملية لمعاجته من ذلك : الحرص، السعي، الاستعانة بالله، والابتعاد عن العجز، كما جاء في الحديث النبوي العظيم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (رواه مسلم). فالنص يؤسّس لمنهج متكامل:يمكن تلخيصه في :إدراك لما ينفع، وحرص عليه، واستعانة بالله، ثم رفض للعجز كاستسلام داخلي.

ثانيًا: تحليل نفسي لمفهوم الكسل

في علم النفس، يُعرف الكسل بأنه شكل من أشكال المماطلة (Procrastination) الناتجة عن ضعف الدافعية (Motivation) أو سيطرة الأفكار السلبية. وهو يرتبط غالبًا بظواهر مثل القلق، وضعف تقدير الذات، والاعتمادية.
يرى علماء النفس من امثال: Albert Ellis وAaron Beck أن الكسل قد يكون نتيجة اعتقادات لا عقلانية من قبيل:

“يجب أن أكون في المزاج المثالي لكي أبدأ”،

أو “إن لم أستطع فعل الأمر كاملًا فلا فائدة من البدء”، وهي أنماط فكرية تعزز التأجيل وتغذي الكسل.

كما أشار Bandura (1997) إلى أن تدني الكفاءة الذاتية (Self-efficacy) يُعد من أهم أسباب الكسل والمماطلة، حيث يشعر الفرد أنه غير قادر على الإنجاز، فيتجنب المحاولة من اساسها. وهذا ما يجعل الشخص يُفضل النشاطات السهلة أو الممتعة فورًا (مثل تصفح الهاتف) على المهمات ذات القيمة بعيدة المدى.

ثالثًا: تقنيات علمية فعالة للتعامل مع الكسل

  1. التفعيل السلوكي (Behavioral Activation)

هذه التقنية تقوم على مبدأ أن السلوك يأتي أولًا، وليس الشعور. أي لا تنتظر أن “تشعر” بالحافز لتبدأ، بل ابدأ بأي خطوة، مهما كانت صغيرة، لأن النشاط يولّد التحفيز، وليس العكس.

مثال تطبيقي: إذا شعرت بالكسل حيال الدراسة، فابدأ بجلسة قصيرة من القراءة لمدة 5 دقائق. ما يحدث غالبًا هو أن الرغبة في الاستمرار تنمو بعد البدء، وهو ما يسمى بـ”قانون الزخم”.

  1. قاعدة الخمس دقائق (The Five-Minute Rule)

هي امتداد للتفعيل السلوكي، وتنصّ على التالي: “إذا شعرت بأنك لا ترغب في إنجاز مهمة، التزم بفعلها لخمس دقائق فقط.” في الغالب، بعد مرور الخمس دقائق، يكون من الأسهل الاستمرار، لأن المقاومة العقلية تكون قد تلاشت.
فالقاعدة هنا تعتمد على كسر “حاجز الدخول” للمهمة، وتخدع العقل عبر تقليل الضغط النفسي المرتبط بها.

  1. تقنية Pomodoro لتنظيم الوقت

هي تقنية شهيرة تعتمد على تقسيم العمل إلى وحدات زمنية مركزة:
25 دقيقة عمل مركز،
تليها 5 دقائق راحة. كل 4 جولات Pomodoro تتبعها استراحة أطول (15-30 دقيقة).
التقنية تحارب الكسل من خلال تقليل الشعور بالإرهاق وزيادة التركيز عبر فترات زمنية قصيرة نسبيًا.

  1. إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring)

هي عملية نفسية تهدف إلى تفكيك الأفكار السلبية التي تعزز الكسل، واستبدالها بأفكار عقلانية ومحفزة.

مثال عملي:

الفكرة المشوّهة: “لن أتمكن من إنهاء هذه المهمة، فلن أبدأ أصلاً”.

إعادة الهيكلة: “قد لا أنجز كل شيء، لكن يمكنني التقدم ولو بخطوة، وهذا أفضل من لا شيء”.

  1. العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy – CBT)

CBT هو إطار علاجي فعّال في معالجة الكسل المزمن الناتج عن القلق أو الاكتئاب أو ضعف الثقة بالنفس. ويقوم على محورين:

1-المعرفي: تعديل أنماط التفكير السلبي.

2ـالسلوكي: بناء عادات نشطة تدريجيًا.

في سياق الكسل، يعلّمك CBT كيف تتعرف على نمط “المماطلة”، وتكسر الحلقة من خلال نشاطات صغيرة مدروسة، وربطها بأفكار بنّاءة ومحفزة.

  1. مصفوفة الأولويات (Eisenhower Matrix)

هي أداة تنظيمية تُقسّم المهام إلى أربعة مربّعات:

مهم وعاجل

مهم وغير عاجل

غير مهم وعاجل

غير مهم وغير عاجل
باستخدام هذه المصفوفة، يمكن ترتيب المهام وتحديد ما يجب فعله الآن، ما يُفوض، وما يُؤجل، وما يُهمل. وهذا يحارب شعور التشتت الذي يولّد الكسل.

  1. التصور الإيجابي (Positive Visualization)

يقوم على تخيّل الذات في المستقبل بعد إنجاز المهمة، كأن تتصور نفسك سعيدًا بعد إتمام التمرين، أو فخورًا بعد إنهاء الدراسة.

أكّدت دراسة Taylor وآخرين (1998) أن هذا النوع من التصور الذهني يعزز إفراز الدوبامين ويرفع من قدرة الفرد على التحمّل والتخطيط، ما يقلّل من فرص الاستسلام للكسل.
خاتمة
إنّ الكسل ليس مجرد عادة عابرة، بل هو اختبار لإرادة الإنسان وصدق توجهه نحو الفاعلية. وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم خارطة طريق متوازنة: دعاء يطهّر القلب من العجز، وفعل يحرّك الجوارح نحو الإنجاز. وهنا يلتقي الإيمان بالمنهج النفسي، فيتحول الوعي الشرعي إلى دافع، والعلاج النفسي إلى أداة، والإنسان إلى كائن متكامل يجمع بين الروح والعقل والعمل. إنّ محاربة الكسل ليست مجرد خيار، بل هي مسؤولية وجودية ورسالة إيمانية، فالمسلم مدعو أن يكون طاقة حيّة تسعى وتبني وتُثمر، محققًا قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».

قائمة المراجع:
ابن القيم. مدارج السالكين. دار الكتاب العربي.
ابن أبي شيبة. المصنف. تحقيق: كمال يوسف الحوت.

Beck, A.T. (1995). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders. Penguin Books.
Bandura, A. (1997). Self-efficacy: The exercise of control. W.H. Freeman and Company.
Jacobson, N.S., Martell, C.R., & Dimidjian, S. (2001). Behavioral activation treatment for depression. Clinical Psychology: Science and Practice, 8(3), 255–270. DOI:10.1093/clipsy.8.3.255
Cirillo, F. (2006). The Pomodoro Technique. https://francescocirillo.com
Beck, J. S. (2011). Cognitive Behavior Therapy: Basics and Beyond. The Guilford Press.
Covey, S. R. (1989). The 7 Habits of Highly Effective People. Free Press.
Taylor, S. E., Pham, L. B., Rivkin, I. D., & Armor, D. A. (1998). Harnessing the imagination: Mental simulation, self-regulation, and coping. American Psychologist, 53(4), 429–439. DOI:10.1037/0003-066X.53.4.429
مسلم، صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، حديث رقم: 2664.
البخاري، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، حديث رقم: 6369

الصورة الرمزية لـ منصة الباحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!