
الدكتورة دنيا تامري
ملخص
يُعدّ التركيز العقلي وتحديد الأهداف من أبرز المهارات المعرفية التي تقوم عليها عمليات التعلم، وضبط السلوك، واتخاذ القرار. وقد تزايد الاهتمام العلمي بهذه المهارة في السنوات الأخيرة، في ضوء ما تشير إليه الدراسات المعاصرة من تحديات متنامية مرتبطة باستمرارية الانتباه داخل البيئات الحديثة التي تتسم بكثافة التفاعل مع الوسائط التكنولوجية وتعدد مصادر المعلومات والمحفزات اليومية.
وفي المقابل، يقدّم ديننا الإسلامي إطارًا قيميًا تأسيسيًا يقوم على حضور القلب، وترتيب المقاصد، وحسن استثمار الزمن بوصفه عنصرًا جوهريًا في بناء الإنسان المتوازن. ويسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تكاملية تجمع بين هذا التصور الشرعي وبين ما توصل إليه علم النفس العصبي الحديث من تفسير لآليات الدافعية والانتباه عبر النواقل العصبية والهرمونات المنظمة للسلوك.
وتخلص الدراسة إلى أن التركيز يمثل مهارة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها الجوانب الروحية والسلوكية والمعرفية، مما يجعله ضرورة أساسية لتحقيق التوازن النفسي والفاعلية الإنسانية في الواقع المعاصر.حخ
الكلمات المفتاحية
التركيز العقلي؛ تحديد الأهداف؛ الوظائف التنفيذية؛ الدافعية؛ علم النفس العصبي؛ الدين الإسلامي؛ إدارة الوقت.
Résumé
La concentration mentale et la fixation des objectifs figurent parmi les compétences cognitives les plus importantes sur lesquelles reposent les processus d’apprentissage, de régulation du comportement et de prise de décision. L’intérêt scientifique pour cette aptitude s’est accru ces dernières années, à la lumière des recherches contemporaines soulignant des défis croissants liés au maintien de l’attention dans des environnements modernes caractérisés par une interaction intensive avec les technologies et par la multiplication des sources d’information et des stimuli quotidiens.
Parallèlement, notre religion islamique propose un cadre éthique fondateur basé sur la présence du cœur, l’organisation des finalités et la valorisation du temps comme élément central dans la construction d’un être humain équilibré. Cet article vise ainsi à développer une approche intégrative reliant cette perspective spirituelle aux apports des neurosciences cognitives modernes, notamment en ce qui concerne les mécanismes de la motivation, de l’attention et le rôle des processus neurochimiques régulant le comportement.
L’étude met en évidence que la concentration constitue une compétence multidimensionnelle, à l’intersection des dimensions spirituelle, comportementale et cognitive, ce qui en fait une exigence essentielle pour l’équilibre psychologique et l’efficacité humaine dans les contextes contemporains.
Mots-clés
Concentration mentale ; fixation des objectifs ; fonctions exécutives ; motivation ; neurosciences cognitives ; religion islamique ; gestion du temps.
Keywords
Mental focus; goal setting; executive functions; motivation; cognitive neuroscience; Islamic framework; time management.
المقدمة
يمثل التركيز إحدى الوظائف التنفيذية الأساسية في البنية المعرفية للإنسان، إذ تقوم عليه عمليات الفهم، وتنظيم السلوك، وحل المشكلات، وتحقيق الأهداف بعيدة المدى. وتشير الأدبيات الحديثة في علم النفس المعرفي إلى أن القدرة على الانتباه المستمر أصبحت عنصرًا حاسمًا في الأداء الأكاديمي والمهني، خاصة في ظل أنماط الحياة المعاصرة التي تتسم بكثافة التفاعل مع الوسائط التكنولوجية وتعدد مصادر المعلومات والمحفزات اليومية.
وتكتسب دراسة هذا الموضوع أهمية خاصة لكونه لا يرتبط فقط بجانب الإنجاز، بل يتصل كذلك ببناء الإنسان المتوازن نفسيًا وروحيًا. ويُلاحظ في هذا السياق أن ديننا الإسلامي قد أسّس منذ وقت مبكر لمنظومة متكاملة تقوم على حضور القلب، وترتيب المقاصد، وحسن استثمار الزمن، وهي معانٍ تتقاطع مع ما توضحه الأبحاث الحديثة حول الانتباه والدافعية والوظائف التنفيذية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تكاملية تستحضر البعد القيمي الشرعي، وتستفيد في الوقت ذاته من نتائج العلوم العصبية الحديثة.
إشكالية المقال وأهدافه
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن ضعف التركيز وتشتت الانتباه أصبحا من أبرز التحديات المعرفية والسلوكية في الواقع المعاصر، مما ينعكس على القدرة على الإنجاز واستثمار الوقت. ومن ثم يطرح المقال التساؤل الآتي:
إلى أي حد يمكن فهم مهارة التركيز وتحديد الأهداف بوصفها نقطة التقاء بين الإطار القيمي الذي يقدمه ديننا الإسلامي، والتفسيرات التي تقدمها العلوم النفسية والعصبية الحديثة؟
ويهدف المقال إلى :
- إبراز مفهوم التركيز في علم النفس المعرفي.
- بيان الأسس الشرعية المرتبطة بحضور القلب وتنظيم المقاصد.
- توضيح الآليات العصبية للدافعية والانتباه في ضوء علم الأعصاب.
- تقديم رؤية تكاملية تساعد على فهم هذه المهارة بوصفها ضرورة معرفية وسلوكية. المحور الأول: التركيز وتحديد الأهداف في علم النفس المعرفي
يُعرّف التركيز في علم النفس المعرفي بأنه عملية توجيه الموارد الذهنية نحو مهمة محددة مع القدرة على استبعاد المشتتات. ويُعد هذا الجانب جزءًا من الوظائف التنفيذية المرتبطة بالقشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التنظيم المعرفي وضبط السلوك.
أما تحديد الأهداف فيُعد من أكثر الآليات النفسية ارتباطًا بالإنجاز، حيث يساعد على تحويل الدوافع العامة إلى خطط واضحة قابلة للتنفيذ. وقد أثبتت نظرية تحديد الهدف أن الأهداف المحددة والواضحة ترفع مستوى الالتزام وتحسن الأداء مقارنة بالأهداف الغامضة أو غير المنظمة (1). المحور الثاني: التركيز في ديننا الإسلامي: حضور القلب وترتيب المقاصد
يركز ديننا الإسلامي على بناء الإنسان من الداخل، من خلال توجيه القلب والعقل نحو غاية واضحة، وهو ما يظهر في مركزية مفهوم الإخلاص وحضور القلب في العبادات والمعاملات. فالقرآن الكريم يربط الفلاح بحالة من الانضباط الروحي والمعرفي:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 1–2) .
كما يقرر التوجيه النبوي مبدأ مركزية النفع وترتيب الأولويات:
” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز” (صحيح مسلم، حديث رقم 2664) (5). المحور الثالث: الزمن والغاية: التركيز بوصفه استثمارًا للعمر
لا ينفصل التركيز عن قيمة الزمن، إذ لا يمكن تحقيق الأهداف دون إدراك أن الوقت مورد محدود. وقد جاءت سورة العصر بوصفها من أكثر السور اختزالًا لفلسفة الإنسان في الحياة:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (سورة العصر: 1–2) .
ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى في الحديث المعروف:
” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” (صحيح البخاري، حديث رقم 6412) (7). المحور الرابع: التفسير العصبي للتركيز: الدافعية والانتباه
أصبح التركيز موضوعًا رئيسًا في علم الأعصاب المعرفي، حيث ترتبط القدرة على الانتباه بشبكات عصبية معقدة تشمل النواقل العصبية والهرمونات المنظمة للحافز والانفعال. - الدوبامين ودائرة المكافأة
يُعد الدوبامين أحد أهم النواقل العصبية المرتبطة بالدافعية والسلوك الموجه نحو الهدف. وقد بيّن علماء الأعصاب أن الدماغ يعزز السلوكيات المنتجة من خلال إشارات المكافأة العصبية، مما يجعل الإنجاز التدريجي عاملًا أساسيًا في تعزيز الاستمرار والانضباط (2).
2 . التوتر والكورتيزول وأثره على الوظائف التنفيذية
يرتبط ضعف التركيز كذلك بالحالة الانفعالية، إذ يؤدي التوتر المزمن إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول، مما يؤثر على الذاكرة والانتباه والقدرة على اتخاذ القرار (3). وفي هذا السياق، يقدم القرآن الكريم مفهوم الطمأنينة بوصفه عنصرًا داعمًا للاستقرار النفسي:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28) (8).
المحور الخامس: الإطار القيمي التأسيسي للتركيز في ديننا الإسلامي وتقاطعاته العلمية
يُلاحظ أن ديننا الإسلامي لم يتناول مسألة حضور القلب والانتباه بوصفها جانبًا تعبديًا فحسب، بل قدّم تصورًا متكاملًا في بناء الإنسان من خلال توجيه المقاصد، وتنظيم الأولويات، وربط العمل بمعنى الغاية والمسؤولية. فالقرآن الكريم والسنة النبوية يؤسسان لمبدأ أن الإنسان لا يحقق فاعليته إلا حين يجمع جهده على مقصد واضح، ويستثمر وقته ضمن رؤية شاملة تتجاوز العشوائية والتشتت.
ومن جهة أخرى، تكشف العلوم العصبية المعاصرة عن الآليات البيولوجية التي تفسر هذا المعنى، من خلال دور النواقل العصبية في تعزيز السلوك الموجه نحو الهدف، وتأثير التوتر على الوظائف التنفيذية. وبذلك يتجلى أن ما توضحه الدراسات الحديثة من تفسيرات عصبية يلتقي مع إطار قيمي أوسع كان ديننا الإسلامي قد أرسى معالمه في بناء الإنسان المتوازن.
الخاتمة
خلص المقال إلى أن التركيز وتحديد الأهداف يمثلان مهارة معرفية مركبة ذات أبعاد روحية وسلوكية وعصبية. وقد بيّنت الدراسة أن ديننا الإسلامي يقدّم إطارًا تأسيسيًا يقوم على حضور القلب وترتيب المقاصد واستثمار الزمن، وهي مبادئ تتقاطع بوضوح مع ما تفسره العلوم النفسية والعصبية الحديثة من خلال دور الدوبامين وتأثير التوتر المزمن على الانتباه والدافعية.
كما يمكن للدراسات المستقبلية توسيع هذا المجال من خلال بحث العلاقة بين الممارسات الروحية والاستقرار النفسي من جهة، وبين تحسين الانتباه والوظائف التنفيذية من جهة أخرى، اعتمادًا على مقاربات تجريبية وميدانية داخل السياقات التعليمية والاجتماعية المعاصرة.
قائمة المصادر والمراجع
(1) Locke, E. A., & Latham, G. P. (2002). Building a practically useful theory of goal setting and task motivation. American Psychologist, 57(9), 705–717. https://doi.org/10.1037/0003-066X.57.9.705
(2) Schultz, W. (2015). Neuronal reward and decision signals: Dopamine. Annual Review of Neuroscience, 38, 263–287. https://doi.org/10.1146/annurev-neuro-071714-033900
(3) McEwen, B. S. (2007). Physiology and neurobiology of stress and adaptation. Physiological Reviews, 87(3), 873–904. https://doi.org/10.1152/physrev.00041.2006
(4) القرآن الكريم: سورة المؤمنون، الآيتان 1–2.
(5) مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم. كتاب القدر، حديث رقم 2664.
(6) القرآن الكريم: سورة العصر، الآيتان 1–2.
(7) البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. كتاب الرقاق، حديث رقم 6412.
(8) القرآن الكريم: سورة الرعد، الآية 28.
(9) Posner, M. I., & Petersen, S. E. (1990). The attention system of the human brain. Annual Review of Neuroscience, 13, 25–42. https://doi.org/10.1146/annurev.ne.13.030190.000325
(10) Miyake, A., Friedman, N. P., Emerson, M. J., Witzki, A. H., & Howerter, A. (2000). The unity and diversity of executive functions and their contributions to complex tasks. Cognitive Psychology, 41(1), 49–100. https://doi.org/10.1006/cogp.1999.0734



