
ذة. حسناء وهابي/ باحثة في اللسانيات وتحليل الخطاب
تعد التغيرات التي يشهدها العالم، تغيرات كبرى في مستويات عديدة سواء الاقتصادية أو المالية أو التجارية أو الفنية او البيئية، وبالتركيز على الجانب المتعلق بالخطاب، فالزمن الذي نعيشه الآن، هو زمن الصورة أساسا، ذلك باعتبارها خطابا بديلا عن الخطاب اللغوي التقريري المباشر. والصورة ركيزة أساس في إيصال المعلومة والتأثير في نفسية الفرد.
لهذا ارتأيت أن أحلل الصورة أسفله، وأبين ماتحويه من إشاريات ورموز، ونحدد صيغة المكتوب منها تركيبيا وأصواتيا وتداوليا ومعجميا.

وذلك عبر الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- عناصر الخطاب
- من يتكلم( المرسل) بمعنى الإيتوس: يقدر بمروج للإشهار لصورة تحمل علامات لغوية وأيقونية.
- عم تتكلم: صورة فوتوغرافية أخذتها من المواصلات العمومية”ترامواي”، تظهر اسم المواصلات، ممزوجا بخطاب يروج إلى سماع الموسيقى.
- إلى من يتوجه بالخطاب: الباتوس: لعل المتلقي المعني بالخطاب وبمشاهدة الصورة أساسا هو المتلقي البيضاوي بالدرجة الأولى، إلا أن الصورة تجاوزت حدود البيضاء، لتصل إلى أرجاء كل المدن، حيث إن كل من زار مدينة الدار البيضاء وركب ” الترامواي”؛ خاطبته هذه الصورة واستأثر اهتماما بالغا من لدنها.
- بماذا تتكلم: اللوغوس: تتكلم الصورة بواقع الشعب المغربي البيضاوي المقهور، الذي يعاني الظروف القاهرة، فيريد أن يرفه عن نفسه بالموسيقى” نسمعوا ليها دابا” يجعل البعض من الناس يصم الآذان بالموسيقى الصاخبة في الأماكن العمومية، لاسيما و” الترامواي”.
- المقصدية: تهدف الصورة إلى إبراز رسالة مفادها أن الموسيقى تهذيب للروح، وترفيه عن النفس، وأن البيضاء عاصمة الموسيقى.
وترصد الصورة سياقا اجتماعيا واضحا: تنطلق فيه من واقع البيضاء وصخبها، إن الموسيقى انعكاسا لواقعها وترجمة لأحاسيسها. - مضمرات خطاب الصورة:
تحمل الصورة مجموعة من الرسائل الضمنية التي لاتبدو مرئية من اللحظة الأولى، ولكن إذا أنعمنا النظر جيدا في العناصر المرئية سواء الأيقونية أو اللغوية، سنكتشف أنها حملت بين ألوانها ومكوناتها جملة من المضمرات:
+الافتراضات المسبقة:
الافتراض الذي انطلقت منه الصورة البيضاوية هو: - أن العلامة الأيقونية المكتوبة باللون الأحمر مؤثرة في النفوس لما تحمله من معاني صخب الحياة، وأن اللون الأحمر لون جذاب يؤثر ضمنيا في الروح.
- أن العلامة اللغوية خطاب يؤثر في المتلقي، ويجعله يتخذ الموسيقى كأنها عائلته( هاذي موسيقتنا).
+المعاني الضمنية المضمرة:
كشفت هذه الصورة عن خبايا الحياة في البيضاء، التي يتكبدها الإنسان البيضاوي من صخب، وأن تعدد الأجناس يعد علامة قوية في انصهار العلاقات الإنسانية وتأثرها بالموسيقى.
ونخلص في هذا الصدد إلى مبادئ الاستلزام الحواري، ونتطرق إلى مبدإ التأدب: حيث تتلخص صيغته في ” لتكن مأدبا” من خلال احترام ضوابط التهذيب، فالمروج هنا خضع لهذا المبدأ، حيث أنه احترم خصوصية المجتمع وفطرته بالمقاربة بالنوع، وكذا خصوصية جمالية الفن الروحي.
على المستوى التأثيري: نرى أن الصورة أثرت في نفسية المتلقي وجعلت روحه تنصهر، خاصة باستعمال اللون الأحمر الذي يعد جذبا للعين والتركيز بكل الجوارح.
وعلى المستوى التركيبي: فالعلامات اللغوية Casa tramway جاءت على صيغة : فا+ مف.
آبيضاوا هاذي موسيقتنا سمعوا ليها دابا: أيضا ابتدأت ب فا+ حد+ مف+ ف+ مض.
وعلى المستوى الصوتي: نجد: آ: فهو صوت جهير، قوي
ق: صوت حنجري، جهير، قوي، دلقي
ب: صوت شفهي، جهير، دلقي.
وعلى المستوى المعجمي: بيضاوا: جاء في لسان العرب لابن منظور بيضاوا من البياض، ضد السواد، اللون الأبيض.
موسيقتنا: جاءت في قاموس الغني لعبد الغني أبي العزم، من الاتساق وتناسب وتناسق الكلمات والنغمات والرنات مع بعضها.
أما من الناحية التداولية: فتعني أن أهل البيضاء عائلة لهم موسيقى خاصة بهم، عليهم سماعها، بمعنى نغمة عيش خاصة بهم عليهم تداولها وجعلها شفرة خاصة بهم.
نخلص إلى القول إن الخطاب الإشهاري، يجعل المرء يتأثر بعلاماته الأيقونية واللغوية تأثرا بالغا في نفسيته، ولهذا عمل العقل المدبر على إتقان الإشهار من أجل ترويج سلعته وبيان مقصديته



