أعلام وأقلامإصداراتناحوارات

الدكتورة عزيز بزامي تبرز خصوصية محبة المغاربة للرسول الكريم

حاورها د.زكرياء عريف

في إطار الرسالة الملكية السامية لأمير المومنين الملك محمد السادس نصره الله، التي أوصت المجلس العلمي الأعلى بالاحتفاء بذكرى مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، تشرفنا في منصة الباحث بإجراء هذا الحوار مع الدكتورة عزيزة بزامي، الباحثة في قضايا الفكر الإسلامي والتصوف، ورئيسة تحرير مجلة ميثاق الرابطة ورئيسة وحدة الفطرة بالرابطة المحمدية للعلماء، حول دلالات الحدث وخصوصية المحبة النبوية في الثقافة المغربية.

🔸 السؤال الأول

كيف تنظرون إلى المبادرة الملكية الرامية إلى الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

الجواب:

تمثل الرسالة الملكية السامية التي وجهها أمير المومنين إلى المجلس العلمي الأعلى، والتي دعا فيها إلى الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- تحولًا نوعيًا في الوعي الديني المغربي؛ إذ ترتقي بالاحتفال من مجرد ذكرى احتفالية أو فعل رمزي إلى مشروع حضاري متكامل، يستهدف تجديد الصلة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعدها الإيماني والعلمي والإنساني.

فالاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على مولده الشريف استدعاء دائم للنموذج المحمدي في بناء الإنسان والأمة.

لقد جعل أمير المؤمنين حفظه الله، من ذكرى ميلاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مناسبة لترسيخ محبة الرسول-صلى الله عليه وسلم- باعتبارها قيمة جامعة للأمة المغربية، وتعزيزاً لنهج الوسطية والاعتدال الذي ورثته المملكة الشريفة عن سلاطينها العلويين، الذين كانت محبتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- دعامـةً لوحدة الأمة واستمرارية دولتها.

🔸 السؤال الثاني

كيف يمكن التعريف بالسيرة النبوية بأسلوب يناسب العصر ويمس عقول الشباب؟ وما هي تجربتكم في وحدة الفطرة في ترسيخ محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لدى الناشئة؟

الجواب:

 يتطلب التعريف بالسيرة النبوية اليوم عدم الاقتصار فقط على النمط الوعظي بل إعمال التفاعل التربوي الذي يمس الوجدان والشعور؛ فالناشئة تحتاج إلى أن تشعر بالسيرة النبوية لا أن تسمعها أو تشاهد أحداثها؛ إذ التخلق بالقيم يتطلب تبنيا داخليا وتملكا كيانيا.

لقد اعتمدنا في وحدة الفطرة للناشئة بالرابطة المحمدية للعلماء، من بين مقاربات بناء القدرات وتكوين الناشئة على القيم الدينية والوطنية، مقاربة القيم عبر الخبرة والتجربة حيث جعلنا من التلعيب والرسم ولعب الأدوار والمحاكاة وآليات التواصل وتقنيات الترافع وغيرها من وسائل للتمثل والتحقق القيمي؛ إذ يعمل نادي اللوح والقلم بوحدة الفطرة من خلال المقاربة المذكورة على تقريب الناشئة من المعاني السامية حيث يتم التفاعل مع الناشئة بالاعتماد على وصلهم بمقومات هويتنا الدينية والقيمية المغربية الأصيلة، وتعريفهم بمصادرنا وأصولنا القيمية الكبرى من قبيل كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي،  دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار لسيدي محمد بن سليمان الجزولي، وذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج لسيدي محمد المعطى بن الصالح الشرقاوي العمري، فالملحوظ أن ناشئتنا تفاعلت مع سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مدخل المحبة والرحمة النبوية التي تطفح بها النصوص المغربية الأصيلة المذكورة؛ وكذا منظومة ابن عاشر التأصيلية للثوابت الدينية للمملكة، وغيرها من القصائد الشهيرة في المديح النبوي كالبردة والهمزية للامام شرف الدين البوصيري الصنهاجي لربط الأطفال بالقيم النبوية الكبرى: الرحمة، الأمانة، والعطاء.

إننا نعتبر محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كفاية وجدانية وسلوكية يمكن غرسها بالتربية الناعمة، وبالمقاربات التثقيفية المعاصرة، في مختلف مناحي الحياة.
فالنموذج النبوي ليس فكرة مجردة، بل تجربة حياتية تتجدد في كل ناشئ يتعلم الصدق والرحمة والكرم…

🔸 السؤال الثالث

ما هو دور ملوك الدولة العلوية الشريفة في العناية بالإرث النبوي الشريف؟ وما القيمة العلمية لكتاب السلطان سيدي محمد بن عبد الله “الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية”؟

الجواب:

منذ قيام الدولة العلوية الشريفة ظل ملوكها حماةً للميراث النبوي في بعده العلمي والروحي، إذ اعتبروا الانتساب إلى بيت النبوة مسؤولية إصلاح ديني ودنيوي؛ وجعلوا من خدمة الميراث النبوي حديثا وسنة وسيرة وعلوما من المهام الكبرى التي تنهض بها الإمامة العظمى.

ويُعدّ كتاب الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية، الذي أمر أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بإخراجه في نشرة علمية محققة، أحد الشواهد الكبرى على العناية المتأصلة والمستمرة بالأنوار المحمدية قولا وفعلا وتقريرا وسيرة..

🔸 السؤال الرابع

التصوف حاضر بقوة في التجربة الدينية المغربية، كيف ساهمت الزوايا والطرق الصوفية في ترسيخ محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟

الجواب:

إن التصوف المغربي في جوهره محبة نبوية متجلية في التزكية والعمل الصالح، حيث شكّل التصوف بمختلف طرقه وزواياه ومدارسه ومشاربه مدرسة لبناء الإنسان روحًا وسلوكًا. وقد جعلت الزوايا المغربية من محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبّ رسالتها التربوية والاجتماعية، من خلال ذكر الله تعالى والإكثار من الصلاة على النبي الكريم، والمديح والسماع، وخدمة الفقراء والمحتاجين، فبهذا المعنى يكون التصوف في المغرب دعامة تخليقية لبناء المجتمع وترسيخ الأمن الروحي، وإشاعة قيم السلم والعيش المشترك.

🔸 السؤال الخامس

ما الذي يميز محبة المغاربة للرسول -صلى الله عليه وسلم-؟

الجواب:

تمتاز محبة المغاربة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكونها:

  • محبة فطرية متجذرة في الوجدان بفعل العمل الصوفي الرائد بالمملكة الشريفة والراسخ منذ قرون؛
  • محبة مؤطرة بالعلم بفضل جهود العلماء العاملين والمجتهدين في التبليغ والتبيين للناس دينهم؛
  • محبة موصولة بالبيعة التي يستمر حبلها المتين منذ قرون عنوانا على الولاء والوفاء لأمير المومنين سبط النبي الأمين.

 فيكفي النظر في حجم الموروث شعرا ونثرا المطبوع منه والمخطوط الذي يلهج بمحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ليقف المرء على مدى تغلغل محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ضمير ووجدان الأمة.

إنها محبة لا تعرف الانفعال الموسمي، بل تسري في كيان المغاربة سريان النور في الأكوان

🔸 السؤال السادس

تميّز المغاربة في إبداع فنون المديح والسماع والصلاة على النبي ﷺ، ما الأثر الجمالي والتربوي لهذه الفنون؟

الجواب:

 تُعتبر فنون المديح والسماع في المغرب تعبيرًا فنّيًا عن المحبة النبوية، ووسيلة لتربية الذوق والوجدان. فقد استطاع المغاربة عبر قرون أن يجمعوا بين العبادة والجمال، فجعلوا من المديح لحظة سموٍّ روحي وارتقاء أخلاقي يجمع بين جلال المعنى وجمال المبنى ورقيق المغنى. فسائر هذه الفنون الجمالية بالإضافة إلى أنغامها وطبوعها وموسيقاها وإيقاعاتها وأهازيجها.. التي استوعبت تقاليد فنية محلية تعبر عن تنوع الذائقة الفنية المغربية، فهي بناء روحي جمالي للفرد والجماعة يخاطب الفطرة بدون تكلف.

🔸 السؤال السابع

ما هي الأهمية العلمية والتربوية لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض السبتي؟

الجواب:

 كتاب الشفا يمثل موسوعة التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ومفخرة من مفاخر المغرب فهو عنوان المحبة النبوية أصلا، ودعوة صريحة للتعظيم والاتباع، ومنهج في فهم مقام النبوة يجمع العقل والإيمان. وقد ظل المغاربة يتوارثون قراءته جيلاً بعد جيل، تعلما وتبركا في الزوايا والمدارس، حتى صار رمزًا للهوية المغربية المحمدية، لذلك جاءت العناية الملكية السامية سنة 2025 بالدعوة إلى نشره في طبعة علمية محققة تأكيدًا على استمرارية المشروع المغربي في تجديد محبة النبي علميًا وتربويًا.

🔸 السؤال الثامن

كيف يمكن استثمار الذكرى في تعزيز الوعي الديني للناشئة ومواجهة التطرف والتسيب؟

الجواب:

يتطلب إحياء القيم المحمدية في الناشئة، بلورة مقاربات تفاعلية تأخذ بعين الاعتبار الفئات العمرية المختلفة حيث تجعل من السيرة النبوية قيما حية تُتقاسم من خلال ورشات تدريبية ورسوم متحركة وقصص مصورة، وكبسولات وغيرها.  وهو ما تحاول العمل به وحدة الفطرة للناشئة بالرابطة؛ إذ بات من الضروري الوعي بالمصفوفة الرقمية الراهنة حيث تتم المواكبة والتكوين من خلال برامج متنوعة تنمي التركيز، والتمكين من مهارات التفكير النقدي واتخاذ القرار، وبناء قدرات التخييل والإبداع.

 فالسيرة النبوية مجال خصب للتنزيل القيمي وفق مقتضيات سياقنا الراهن وهي تمنيع من التطرف وهي باعتبارها تجليا عمليا لقيم الرحمة المهداة للعالمين تمنيع من التطرف والتسيب والانحراف.. فقد بات التحصين متجاوزا بفعل تسارع تقنيات التواصل الرقمي المفتوح؛ إذ التمنيع اليوم أي بناء المناعة الذاتية للفرد والمجتمع هي الكفيلة بصد مختلف الاختراقات السلبية والقاتلة، فالتمنيع يمَكن من إبحار يقظ وآمن في العالم الرقمي.

🔸 السؤال التاسع

ما هي رسالتكم الختامية في هذا السياق؟

الجواب:

 رسالتي أن محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مشروع حضاري مستدام، وليست لحظة وجدانية عابرة، فالاحتفال بخمسة عشر قرنًا من ميلاده الشريف هو احتفال بخلود رسالته في قلوب المغاربة، وتجديد للعهد بين الأمة ومرجعيتها النبوية، إن المملكة المغربية الشريفة، في ظل إمارة المؤمنين، تُقدم للعالم اليوم نموذجًا فريدًا في الجمع بين القيم الروحية والأخلاقية والريادة الحضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!