
الأستاذ حمزة الصمري، باحث في العلوم السياسية

انتصار دبلوماسي تاريخي: قرار مجلس الأمن يدعم الحكم الذاتي المغربي في الصحراء.. خطوة نحو حل النزاع الطويل
في تطور دبلوماسي يعد نقطة تحول في النزاع المغاربي الطويل حول الصحراء المغربية، اعتمد مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025 مشروع قرار أمريكي يؤكد على “الحل الأكثر واقعية وجاهزية” للنزاع، وهو مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة المغربية منذ عام 2007. جاء القرار بنتيجة تصويت إيجابي من 11 عضوا، مع امتناع روسيا والصين وباكستان، وامتناع الجزائر عن التصويت، مما يعكس دعما دوليا متزايدا للنهج المغربي. هذا القرار، الذي يمدد بعثة “المينورسو” (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية) لمدة سنة إضافية حتى أكتوبر 2026، يدعو الأطراف المعنية – المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا – إلى استئناف حوار جاد لإنهاء النزاع الذي يمتد لأكثر من 50 عاما.
خلفية النزاع ومبادرة الحكم الذاتي
النزاع حول الصحراء المغربية بدأ بعد انسحاب إسبانيا كقوة استعمارية في 1975، حيث سيطر المغرب على المنطقة في “مسيرة خضراء” سلمية، بينما أعلنت جبهة البوليساريو “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” في المناطق الشرقية، مدعومة من الجزائر. أدى ذلك إلى حرب استمرت حتى وقف إطلاق النار في 1991، مع وعود باستفتاء لتقرير المصير لم ينفذ بسبب خلافات حول قوائم الناخبين.
في 2007، قدم المغرب مبادرته للحكم الذاتي كحل وسط، يقوم على منح الصحراء سلطات واسعة تحت السيادة المغربية. تشمل الخطة:
– هيئات محلية منتخبة: تنفيذية، تشريعية، وقضائية، تدار من قبل سكان المنطقة الأصليين، مع صلاحيات في الاقتصاد، التعليم، الصحة، والتنمية المحلية.
– الحفاظ على السيادة: المغرب يحتفظ بالشؤون الخارجية، الدفاع، والعملة، لكن السكان يتمتعون بحرية إدارة شؤونهم اليومية.
وصف الملك محمد السادس هذه المبادرة بأنها “الأساس الوحيد للتسوية”، مشددا في خطاباته على أنها تتوافق مع قرارات الأمم المتحدة وتحقق الاستقرار والتنمية للمنطقة الغنية بموارد طبيعية مثل الفوسفاط والصيد البحري.
الدعم الدولي المتزايد: من أمريكا إلى أوروبا
شهدت السنوات الأخيرة تعزيزا كبيرا للموقف المغربي. في دجنبر 2020، اعترفت الولايات المتحدة (تحت إدارة ترامب) بالسيادة المغربية على الصحراء، وأكد بايدن هذا الاعتراف في 2021. تلتها فرنسا في يوليوز 2024، حيث أعلن الرئيس ماكرون دعم “الحكم الذاتي كحل واقعي”، مما فتح أبواب الاستثمار الأوروبي. كما أيدت إسبانيا في 2022، وهولندا في 2023، والإمارات والبحرين كدول عربية.
اليوم، يدعم أكثر من 100 دولة المبادرة، بما في ذلك أعضاء الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية. أشاد السفير الأمريكي في الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، بالقرار كـ”دعوة للحوار البناء”، مشيرا إلى أن “الحكم الذاتي يوفر إطارا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصحراء”.
ردود الفعل: فرح مغربي وتوتر إقليمي
في المغرب، أثار القرار موجة من الفرح الوطني. خرج آلاف في الرباط والعيون والداخلة للاحتفال، رافعين شعارات “المغرب كامل السيادة” و”الحكم الذاتي حل نهائي”. وصف الملك محمد السادس القرار بـ”فصل منتصر” في رسالة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، مؤكدا التزام المغرب بتعزيز التنمية في المناطق الجنوبية، حيث استثمرت الدولة مليارات الدراهم في البنية التحتية، والموانئ…
على الجانب الآخر، رفضت جبهة البوليساريو القرار، معتبرة إياه “انحيازا للمحتل”، ودعت إلى استفتاء استقلال كامل. الجزائر، التي تستضيف مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، امتنعت عن التصويت وأعربت عن “خيبة أمل كبيرة”، متهمة الأمم المتحدة بالانحياز. روسيا والصين، اللتين امتنعتا، أكدتا دعمهما لـ”حق تقرير المصير”، مما يعكس توترات جيوسياسية أوسع مع الغرب.
التحديات المقبلة والآفاق
رغم الدعم الدولي، يبقى النزاع معقدا بسبب الخلافات حول الاستفتاء والدعم الجزائري للبوليساريو. يدعو القرار صراحة إلى جلسات حوار قريبة تحت رعاية الأمم المتحدة، ربما في جنيف أو نيويورك، لمناقشة آليات تنفيذ الحكم الذاتي. على المغرب، يعني ذلك مواصلة الاستثمارات في الصحراء لتعزيز الثقة، بينما على الجزائر، قد يضغط الدعم الدولي للعودة إلى المفاوضات.
في الختام، يمثل هذا القرار انتصارا دبلوماسيا كبيرا للمغرب، ويعزز موقفه كقوة إقليمية مستقرة، ويفتح آفاقا للسلام في المغرب العربي.



