
بقلم : عبد الحميد أبوزرة
في ذاكرة الشاوية، كما في الذاكرة الوطنية المغربية، يبرز اسم الأحمر بن منصور الأحلافي المذكوري بوصفه واحدًا من أكثر قادة المقاومة صلابةً وعنادا في مواجهة الاحتلال الفرنسي مطلع القرن العشرين. لم يكن مجرد قائد قبلي عابر، بل تحوّل إلى رمز للجهاد الشعبي، حتى لقّبه الفرنسيون أنفسهم بـ “السلطان الأحمر” أو “القائد الأحمر”، اعترافًا بخطورته ونفوذه الواسع.
برز الأحمر بن منصور في سياق تاريخي شديد الاضطراب، عقب قصف الدار البيضاء سنة 1907، حين اندلعت انتفاضة الشاوية، ووجدت القبائل نفسها في مواجهة مباشرة مع القوة الاستعمارية. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الأحمر أحد أعمدة المقاومة المسلحة، يقود قبائل المذاكرة والشاوية، ويقضّ مضاجع القيادة العسكرية الفرنسية لسنوات طويلة.

من الأحلاف إلى ساحة الجهاد
وُلد الأحمر بن منصور، على الأرجح سنة 1864، في منطقة الأحلاف ببلاد المذاكرة، وينتمي إلى قبيلة المذاكرة، فرقة الأحلاف. نشأ في بيت عُرف بالشجاعة والصرامة، وتربى على مزيج من حفظ القرآن، والفروسية، وفنون الحرب، إلى جانب الفلاحة والتجارة.
كان قوي البنية، مهاب الطلعة، هادئ الطباع في العادة، لكنه إذا غضب تحوّل صوته – كما تقول الروايات الشفوية – إلى “رعد”. امتلك نزالة (قصبة) كانت ملجأً للفقراء والمستجيرين، وتزوج عددًا كبيرًا من النساء، في تقليد قبلي يعكس مكانته الاجتماعية ونفوذه.
الشاوية… حين انفجر الغضب
بعد وفاة السلطان الحسن الأول، دخل المغرب مرحلة من الاضطراب السياسي والمالي. ومع فرض ضريبة الترتيب بدل الزكاة، أعلنت قبائل الشاوية عمليًا خروجها عن طاعة المخزن، ودخلت فيما عُرف بـ “بلاد السيبة”.
في هذا السياق، برز الأحمر بن منصور كأحد رموز الرفض المسلح، وارتبط اسمه بحركات مقاومة سابقة، خاصة إلى جانب الشيخ محمد بن الطيب الشاوي البوعزاوي. ومع تصاعد التغلغل الفرنسي، وتكاثر “التجار المحميين”، انفجر الوضع في الدار البيضاء سنة 1907، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
حين حمل الأحمر سيفه
عقب قصف الدار البيضاء في غشت 1907، امتطى الأحمر بن منصور فرسه، وتوجه على رأس فرقة “الرمى” (فرقة الأحلاف)، للمشاركة في قيادة المقاومة بالشاوية. ومنذ ذلك الحين، لم يغب اسمه عن أي معركة كبرى، من ضواحي الدار البيضاء إلى سطات، ومن عين مكون إلى فخفاخة.
قاد الأحمر بن منصور، إلى جانب قادة آخرين، سلسلة من المعارك الحاسمة:
- في سطات الأولى أربك القوات الفرنسية بهجوم خاطف.
- في عين مكون ساهم في إفشال خطة التطويق الفرنسية.
- في دار القصيبات استعاد المجاهدون القطيع المنهوب، وفرضوا حصارًا محكمًا.
- في برابح ويوم السدرة كادت القوات الفرنسية تُمنى بهزيمة ساحقة.
- وفي فخفاخة، إحدى أعنف معارك الشاوية، أُصيب الأحمر بن منصور بجراح خطيرة، وهو حامل راية المذاكرة.
لم تكن هذه المعارك مجرد اشتباكات عسكرية، بل حرب استنزاف نفسية وعسكرية أربكت الجنرال داماد، ودفعته لاحقًا إلى اعتماد سياسة انتقامية دموية ضد المدنيين، تمثلت في مجازر مكارطو وسيدي الغليمي.
استراحة محارب… لا استسلام
تحت ضغط الحملة الفرنسية، انسحب المقاومون تدريجيًا من الشاوية. وبعد مشاورات مع موحا أوحمو الزياني، توجه الأحمر بن منصور إلى بني خيران، ثم تحالف مع قوات المولى عبد الحفيظ، وانتقل إلى فاس، حيث مكث بين 1911 و1915.
لكن توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 لم يكن نهاية الطريق. غادر الأحمر فاس، والتحق بالمقاومة في الأطلس المتوسط، وقدم الدعم لموحا أوحمو الزياني، قبل أن يعود إلى المذاكرة مثخنًا بالجراح.
استقر في نزالة الأحمر، رافضًا كل عروض الفرنسيين، ومصرًّا على موقفه:
“لا أحارب من أجل منصب، بل لأن فرنسا تريد استعباد أهلي.”
ظلّ ملجأً للمقاومين والمستجيرين، ولم يكن يقبل حتى مصافحة الفرنسيين، وتشير بعض الروايات إلى مشاركته لاحقًا في معركة أنوال.
الرحيل… وبقاء الأثر
توفي الأحمر بن منصور في أكتوبر 1928، متأثرًا بجراحه، وقد قيل إن جسده كان يحمل آثار أكثر من سبع رصاصات. دُفن في نزالة الأحمر، لكنه لم يُدفن في الذاكرة.
بقي الأحمر بن منصور رمزًا للمقاومة الشعبية التي لم تساوم، ولم تنكسر، ولم تنتظر مكافأة. رجلٌ من زمن صعب، واجه إمبراطورية بسلاح الإيمان بالأرض والحرية.



